الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

وقال زفر : تفسد المضاربة لأن رب المال متصرف في مال نفسه فلا يصلح وكيلا فيه فيصير مستردا ولهذا لا تصح إذا شرط العمل عليه ابتداء . ولنا أن التخلية فيه قد تمت وصار التصرف حقا للمضارب فيصلح رب المال وكيلا عنه في التصرف والإبضاع توكيل منه فلا يكون استردادا ، بخلاف شرط العمل عليه في الابتداء لأنه يمنع التخلية ، وبخلاف ما إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة حيث لا يصح لأن المضاربة تنعقد شركة على مال رب المال وعمل المضارب ولا مال هاهنا ، فلو جوزناه يؤدي إلى قلب الموضوع ، وإذا لم تصح بقي عمل رب المال بأمر المضارب فلا تبطل به المضاربة الأولى .

قال: ( وإذا عمل المضارب في المصر   [ ص: 475 ] فليست نفقته في المال ، وإن سافر فطعامه وشرابه وكسوته وركوبه ) ومعناه شراء وكراء في المال .

ووجه الفرق أن النفقة تجب بإزاء الاحتباس كنفقة القاضي ونفقة المرأة ، والمضارب في المصر ساكن بالسكنى الأصلي ، وإذا سافر صار محبوسا بالمضاربة فيستحق النفقة فيه ، وهذا بخلاف الأجير لأنه يستحق البدل لا محالة فلا يتضرر بالإنفاق من ماله ، أما المضارب فليس له إلا الربح وهو في حيز التردد ، فلو أنفق من ماله يتضرر به ، وبخلاف المضاربة الفاسدة لأنه أجير ، وبخلاف البضاعة لأنه متبرع .

قال ( فإن بقي شيء في يده بعدما قدم مصره رده في المضاربة ) لانتهاء الاستحقاق ، ولو كان خروجه دون السفر فإن كان بحيث يغدو ثم يروح فيبيت بأهله فهو بمنزلة السوقي في المصر ، وإن كان بحيث لا يبيت بأهله فنفقته في مال المضاربة لأن خروجه للمضاربة ، والنفقة هي ما يصرف إلى الحاجة الراتبة وهو ما ذكرنا ، ومن ذلك غسل ثيابه وأجرة أجير يخدمه وعلف دابة يركبها والدهن في موضع يحتاج إليه عادة كالحجاز ، وإنما يطلق في جميع ذلك بالمعروف حتى يضمن الفضل إن جاوزه اعتبارا للمتعارف بين التجار . قال ( وأما الدواء ففي ماله ) في ظاهر الرواية .

وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يدخل في النفقة لأنه لإصلاح بدنه ولا يتمكن من التجارة إلا به فصار كالنفقة ، وجه الظاهر أن الحاجة إلى النفقة معلومة الوقوع وإلى الدواء بعارض المرض ، ولهذا كانت نفقة المرأة على [ ص: 476 ] الزوج ودواؤها في مالها . قال ( وإذا ربح أخذ رب المال ما أنفق من رأس المال ، فإن باع المتاع مرابحة حسب ما أنفق على المتاع من الحملان ونحوه ، ولا يحتسب ما أنفق على نفسه ) لأن العرف جار بإلحاق الأول دون الثاني ، ولأن الأول يوجب زيادة في المالية بزيادة القيمة والثاني لا يوجبها .

قال ( فإن كان معه ألف فاشترى بها ثيابا فقصرها أو حملها بمائة من عنده وقد قيل له اعمل برأيك  فهو متطوع ) لأنه استدانة على رب المال فلا ينتظمه هذا المقال على ما مر ( وإن صبغها أحمر فهو شريك بما زاد الصبغ فيه ولا يضمن ) لأنه عين مال قائم به حتى إذا بيع كان له حصة الصبغ وحصة الثوب الأبيض على المضاربة بخلاف القصارة والحمل لأنه ليس بعين مال قائم به ، ولهذا إذا فعله الغاصب ضاع ولا يضيع إذا صبغ المغصوب ، وإذا صار شريكا بالصبغ انتظمه قوله اعمل برأيك انتظامه الخلطة فلا يضمنه .

التالي السابق


( قوله : وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجر وإن لم يسكنها ) قال في النهاية : هذه المسألة مقيدة بقيود . أحدها : التمكن من الاستيفاء حتى أنه إذا لم يتمكن من الاستيفاء بأن منعه المالك أو الأجنبي أو سلم الدار مشغولة بمتاعه لا يجب الأجر . والثاني : أن تكون الإجارة صحيحة ، فإن في الإجارة الفاسدة يشترط لوجوب الأجرة حقيقة الاستيفاء . ولا تجب بمجرد تمكن الاستيفاء في المدة . والثالث : أن التمكن من المستأجر يجب أن يكون في المكان الذي وقع العقد في حقه حتى إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر وأمسكها المستأجر ببغداد حتى مضت مدة يمكنه المسير فيها إلى الكوفة فلا أجر عليه ، وإن ساقها معه إلى الكوفة ولم يركبها وجب الأجر . والرابع : أن يكون متمكنا من الاستيفاء في المدة ، فإنه لو استأجر دابة إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب إليها بعد مضي اليوم بالدابة [ ص: 72 ] ولم يركب لا يجب الأجر ، وإن تمكن من الاستيفاء في المكان الذي أضيف إليه العقد ; لأنه إنما تمكن بعد مضي المدة . ا هـ . وقال صاحب العناية بعد أن بين اعتبار القيود المذكورة بتحرير آخر : فإن قيل : كلام المصنف ساكت عن أكثر هذه القيود فما وجهه ؟ قلت : وجهه الاقتصار للاختصار اعتمادا على دلالة الحال والعرف ، فإن حال المسلم دالة على أن يباشر العقد الصحيح ، والفاسد منه يمنعه عن الإقدام على الانتفاع ، وعلى أن العاقد يجب عليه تسليم ما عقد عليه فارغا عما يمنع عن الانتفاع به ، والعرف فاش في تسليم المعقود عليه في مدة العقد ومكانه فكان معلوما عادة ، وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع فاقتصر عن ذكر ذلك اعتمادا عليهما . ا هـ كلامه .

أقول : في آخر جوابه خلل . أما أولا فلأن قوله وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع إن كان معطوفا على قوله على أن يباشر العقد الصحيح أو على قوله وعلى أن العاقد يجب عليه تسليم ما عقد عليه فارغا حتى صار المعنى فإن حال المسلم دالة أيضا على أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع ، مع ركاكة هذا المعنى كما لا يخفى يلزم الفصل بين المعطوف ، والمعطوف عليه بأجنبي ، وهو قوله : والعرف فاش إلخ ، وإن كان معطوفا على قوله على دلالة الحال ، والعرف حتى صار المعنى اعتمادا على دلالة الحال والعرف ، وعلى دلالة أن الإكراه والغصب مما يمنعان عن الانتفاع يلزم أن لا يتم قوله : فاقتصر عن ذكر ذلك اعتمادا عليهما ، إذ الظاهر أن ضمير عليهما راجع إلى الحال والعرف ، وعلى المعنى المزبور لا تصير علة الاقتصار للاختصار هي الاعتماد على الحال ، والعرف فقط بل تصير علة ذلك هي الاعتماد على الحال والعرف ، وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان الانتفاع .

وأما ثانيا فلأن قوله وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان [ ص: 73 ] عن الانتفاع يدل على أن الغصب أيضا من القيود المقتصر عن ذكرها مع أن المصنف ذكر صورة الغصب صراحة كما ترى . ( قوله : لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها كما إذا كان المعقود عليه العمل ) قال صاحب العناية في شرح هذا المقام : لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة ، وما هو جملة في المدة لا تكون مسلمة في بعضها ; لأن أجزاء الأعواض منطبقة على أجزاء الزمان فلا يستحق المؤجر قبل استيفاء جملة المنفعة شيئا كما في المبيع فإنه ما لم يسلم جميعه لا يستحق قبض الثمن وصار كما إذا كان المعقود عليه هو العمل ، كالخياطة فإن الخياط لا يستحق شيئا من الأجرة قبل الفراغ كما سيأتي . ا هـ .

أقول : في قوله كما في المبيع فإنه ما لم يسلم جميعه لا يستحق قبض الثمن سهو ظاهر ، إذ قد مر في البيوع أنه إذا بيع سلعة بثمن قيل للمشتري ادفع الثمن أولا ، وإذا بيع سلعة بسلعة أو ثمن بثمن قيل لهما سلما معا ، ففي الصورة الأولى يستحق قبض الثمن قبل تسليم المبيع ، وفي الصورتين الأخريين يستحق قبض البدلين معا ، وأما أن لا يستحق قبض الثمن إلا بعد تسليم المبيع فمما لم يقل به أحد ، والصواب هاهنا ما ذكره صاحب الكافي حيث قال كما في المبيع فإنه لا يتوزع وجوب تسليم المبيع على تسليم الثمن بل له حق [ ص: 74 ] حبس جملة المبيع ما بقي شيء من الثمن ا هـ .




الخدمات العلمية