الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

باب طلب الشفعة والخصومة فيها قال ( وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة ) اعلم أن الطلب على ثلاثة أوجه : طلب المواثبة وهو أن يطلبها كما علم ، حتى لو بلغ الشفيع البيع ولم يطلب شفعة  بطلت الشفعة لما ذكرنا ، ولقوله عليه الصلاة والسلام { الشفعة لمن واثبها } ولو أخبر بكتاب والشفعة في أوله أو في وسطه فقرأ الكتاب إلى آخره بطلت شفعته وعلى هذا عامة المشايخ ، وهو رواية عن محمد .

وعنه أن له مجلس العلم ، والروايتان في النوادر . وبالثانية أخذ الكرخي ; لأنه لما ثبت له خيار التملك لا بد له من زمان التأمل كما في المخيرة ، ولو قال بعدما بلغه [ ص: 383 ] البيع الحمد لله أو " لا حول ولا قوة إلا بالله " أو قال " سبحان الله " لا تبطل شفعته ; لأن الأول حمد على الخلاص من جواره والثاني تعجب منه لقصد إضراره ، والثالث لافتتاح كلامه فلا يدل شيء منه على الإعراض ، وكذا إذا قال من ابتاعها وبكم بيعت ; لأنه يرغب فيها بثمن دون ثمن ويرغب عن مجاورة بعض دون بعض ، والمراد بقوله في الكتاب أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة طلب المواثبة ، والإشهاد فيه ليس بلازم ، إنما هو لنفي التجاحد والتقييد بالمجلس إشارة إلى ما اختاره الكرخي .

ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب الشفعة  كما لو قال : طلبت الشفعة أو أطلبها أو أنا طالبها ; لأن الاعتبار للمعنى ، وإذا بلغ الشفيع بيع الدار لم يجب عليه الإشهاد حتى [ ص: 384 ] يخبره رجلان أو رجل وامرأتان أو واحد عدل عند أبي حنيفة ، وقالا : يجب عليه أن يشهد إذا أخبره واحد حرا كان أو عبدا صبيا كان أو امرأة إذا كان الخبر حقا .

وأصل الاختلاف في عزل الوكيل وقد ذكرناه بدلائله وأخواته فيما تقدم ، وهذا بخلاف المخيرة إذا أخبرت عنده ; لأنه ليس فيه إلزام حكم ، وبخلاف ما إذا أخبره المشتري ; لأنه خصم فيه والعدالة غير معتبرة في الخصوم . والثاني طلب التقرير والإشهاد ; لأنه محتاج إليه لإثباته عند القاضي على ما ذكرنا ، ولا يمكنه الإشهاد ظاهرا على طلب المواثبة ; لأنه على فور العلم بالشراء فيحتاج بعد ذلك إلى طلب الإشهاد والتقرير وبيانه ما قال في الكتاب ( ثم ينهض منه ) يعني من المجلس ( ويشهد على البائع إن كان المبيع في يده ) معناه لم يسلم إلى المشتري ( أو على المبتاع أو عند العقار ، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته ) وهذا لأن كل واحد منهما خصم فيه ; لأن للأول اليد وللثاني الملك ، وكذا يصح الإشهاد عند المبيع ; لأن الحق متعلق به ، فإن سلم البائع المبيع لم يصح الإشهاد عليه لخروجه من أن يكون خصما ، إذ لا يد له ولا ملك [ ص: 385 ] فصار كالأجنبي . وصورة هذا الطلب أن يقول : إن فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن فاشهدوا على ذلك . وعن أبي يوسف أنه يشترط تسمية المبيع وتحديده ; لأن المطالبة لا تصح إلا في معلوم . والثالث طلب الخصومة والتملك ، وسنذكر كيفيته من بعد إن شاء الله تعالى . .

التالي السابق


( قوله ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذرا ؟ فيه روايتان ) قال في العناية : يعني في كون ترك العمل عذرا روايتان : في إحداهما لا يكون عذرا ، ويجبر على [ ص: 483 ] ذلك لأن العقد لازم لا يفسخ إلا من عذر وهو ما يلحقه به ضرر وهنا ليس كذلك ، وفي الأخرى عذر انتهى . أقول : في تفسير كلام المصنف بالوجه المذكور خلل ، إذ يصير حاصل معناه حينئذ في كون ترك العمل عذرا روايتان : إحداهما كونه عذرا والأخرى عدم كونه عذرا فيؤدي إلى كون الشيء ظرفا لنفسه ولنقيضه ولا يخفى بطلان ذلك ، والوجه عندي أن معنى قول المصنف فيه روايتان في جواب هذه المسألة وهي قوله هل يكون عذرا ؟ فيه روايتان : إحداهما بالإيجاب وهو أن يكون عذرا ، والأخرى بالسلب وهو أن لا يكون عذرا فحينئذ لا غبار فيه كما لا يخفى على الفطن ( قوله وتأويل إحداهما أن يشرط العمل بيده فيكون عذرا من جهته ) أقول : فيه أنه إنما يكون عذرا من جهته أن لو ترك ذلك العمل اضطرارا بسبب حدوث مرض أو نحو ذلك ، وأما إذا تركه بالاختيار فلا يظهر وجه كونه عذرا من جهته ، والكلام هاهنا في الترك الاختياري ، لأن الترك الاضطراري إنما يكون بسبب عذر مقرر .

وقد مر مسألة جواز الفسخ بالأعذار رواية واحدة ، فذكر مسألتنا هذه بعدها وبيان وقوع الروايتين فيها يدل على أن المراد بترك ذلك العمل في قوله ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هو الترك الاختياري لا غير فتأمل ( قوله وتعذر رد الغراس لاتصالها بالأرض ) قال صاحب النهاية : يعني لو وقع الغراس وسلمها لم يكن تسليما لشجر الغراس ، بل يكون تسليما لقطعة خشبة ، وهو ما شرط ذلك ، بل شرط تسليم الشجر بقوله على أن يكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين ، فلما لم يمكن تسليمها وهي نابتة وجب رد قيمتها انتهى واقتفى أثره في شرح هذا المحل على هذا المنوال صاحب معراج الدارية وصاحب العناية : واعترض بعض الفضلاء على قولهم لو قلع الغراس وسلمها لم يكن تسليما للشجر بل يكون تسليما لقطعة خشبة حيث قال : فيه بحث ، إذ لا نسلم أنه حينئذ لم يكن تسليما للشجر انتهى .

أقول : منع ذلك مكابرة ، لأن الشجر على ما نص عليه في عامة كتب اللغة ما كان على ساق من نبات الأرض ، فإذا قلع الغراس لم يصدق عليه هذا الحد فلا يطلق عليه لفظ الشجر فلا يكون تسليم المقلوع تسليما للشجر لا محالة بل يكون تسليما لقطعة خشبة كما قاله هؤلاء الشراح ، نعم إن قولهم كان المشروط تسليم الشجر لا تسليم قطعة خشبة مستدرك لا يجدي طائلا هاهنا ، لأن استحقاق الغارس للشجر ليس بمقتضى الشرط بل يكون [ ص: 484 ] الشجر ملكا له كما صرحوا به ، ولهذا يجب على رب الأرض رد قيمة تمام الغراس مع كون المشروط أن يكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين تدبر ترشد ( قوله وفي تخريجها طريق آخر بيناه في كفاية المنتهى ) يعني وفي تخريج هذه المسألة طريق آخر : أي دليل آخر سوى ما ذكرناه في كتابنا هذا من طريق قفيز الطحان بيناه : أي بينا ذلك الطريق الآخر في كفاية المنتهى ، قال كثير من الشراح في تفسير ذلك الطريق : وهو شراء رب الأرض نصف الغراس من العامل بنصف أرضه ، أو شراؤه جميع الغراس بنصف أرضه ونصف الخارج ، فكان عدم جواز هذا العقد لجهالة الغراس نصفها أو جميعها لا لاعتبار معنى الاستئجار الذي هو في معنى قفيز الطحان انتهى ، أقول : يرد على الصورة الثانية مما ذكروه وهي قولهم أو شراؤه جميع الغراس بنصف أرضه ونصف الخارج أنها لا تصلح لأن تكون طريق تخريج هذه المسألة ، لأن وضع هذه المسألة على أن يكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين .

وفي الصورة المذكورة يكون جميع الغراس لرب الأرض فلا يتصور المناصفة في الشجر .




الخدمات العلمية