الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2908 189 - بَابٌ: الْغُلُولُ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ [آلِ عِمْرَانَ: 161]. 3073 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ". وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: "فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ". [انْظُرْ: 2371 - مُسْلِمٍ: 987، 1831 - فَتْحَ: 6 \ 185] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَامَ فِينَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْغُلُولَ... الْحَدِيثَ. وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ أَنْفَذَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْغُلُولِ، وَقَدْ تَكُونُ الْعُقُوبَةُ حَمْلَ الْبَعِيرِ وَسَائِرِ مَا عَلَيْهِ عَلَى رَقَبَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَفَضِيحَتَهُ بِهِ، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مُخَيَّرٌ فِي تَعْذِيبِهِ بِالنَّارِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ. فَإِنْ عَذَّبَهُ بِنَارِهِ أَدْرَكَتْهُ الشَّفَاعَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يُعَذِّبْهُ بِنَارِهِ فَهُوَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ. وَمَعْنَى: ("لَا أُلْفِيَنَّ") لَا أَجِدَنَّ، أَلْفَيْنَا: وَجَدْنَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَدِّ وَالْفَاءِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْمَغَانِمِ فَأَجِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَرَوَاهُ الْعُذْرِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْقَافِ مِنَ اللِّقَاءِ، وَلَهُ وَجْهٌ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: "لَا أَعْرِفَنَّ" وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَقُولُ: "لَأَعْرِفَنَّ" بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى أَنْ تَكُونَ لَامَ الْقَسَمِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ. وَالثُّغَاءُ: بِضَمِّ الثَّاءِ صَوْتُ الشَّاةِ. يُقَالُ: ثَغَتْ، تَثْغُو. وَالرُّغَاءُ: صَوْتُ الْإِبِلِ. وَالْيَعَارُ صَوْتُ الْمَعْزِ خَاصَّةً، وَمِنْهُ شَاةٌ تَيْعَرُ. وَالْحَمْحَمَةُ: صَوْتُ الْفَرَسِ عِنْدَ الْعَلَفِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ غُلُولًا؛ لِأَنَّ آخِذَهُ كَانَ يُغِلُّهُ فِي مَتَاعِهِ، أَيْ: يُدْخِلُهُ فِي أَصْنَافِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَاءُ الْجَارِي بَيْنَ الشَّجَرِ غَلَلًا. وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: غَلَّ فِي الْمَغْنَمِ يَغُلُّ وَيُغِلُّ إِذَا خَانَ، وَالصَّامِتُ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَمَعْنَى: ("لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا") أَيْ: مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَمِنَ الشَّفَاعَةِ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ لِمَنْ أَرَادَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الْأَنْبِيَاءِ: 28]. وَفِيهِ: أَنَّ الْعُقُوبَاتِ قَدْ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الذُّنُوبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آلِ عِمْرَانَ 161] وَفِيهِ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي فَضِيحَتِهِ، وَيَتَبَيَّنَ لِلْأَشْهَادِ خِيَانَتُهُ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا تَعْظِيمًا لِإِثْمِ الْغُلُولِ وَتَحْذِيرًا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: ("عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفُقُ") يُقَالُ: أَخْفَقَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ إِذَا لَمَعَ. إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ فَالْغُلُولُ كَبِيرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى تَغْلِيظِ تَحْرِيمِهِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّ الْغَالَّ يَرُدُّ مَا غَلَّ إِلَى صَاحِبِ الْمَقْسِمِ مَا لَمْ يَفْتَرِقِ النَّاسُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُفْعَلُ بِذَلِكَ إِذَا افْتَرَقُوا؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُدْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ بِخُمُسِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِالْمَالِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَحْمَدُ فِي الْحَبَّةِ وَالْقِيرَاطِ يَبْقَى لِلْبَقَّالِ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ: يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الصَّدَقَةَ بِهِ، وَيَقُولُ: لَا أَرَى لِلصَّدَقَةِ بِهِ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِ غَيْرِهِ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية