الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 3908 4139 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ، وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجِئْنَا، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ اللَّهُ. فَشَامَهُ، ثُمَّ قَعَدَ، فَهُوَ هَذَا". قَالَ: وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [انْظُرْ: 2910- مُسْلِمٍ: 843 - فَتْحَ: 7 \ 429] التوضيح الشَّرْحُ: الْمُصْطَلِقُ اسْمُهُ: جَذِيمَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقِيَاءُ. وَوَقَعَ فِي "سِيرَةِ ابْنِ حِبَّانَ" أَنَّ الْمُصْطَلِقَ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْمَعْرُوفُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَخَالَفَ ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: هِيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ، وَالْخَنْدَقُ بَعْدَهَا عِنْدَهُ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ . وَكَذَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ . قَالَ الْحَاكِمُ فِي "إِكْلِيلِهِ": وَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَذَكَرَهَا أَبُو مَعْشَرٍ أَيْضًا قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَنَزَلَتْ فِيهَا آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِهِ" بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، قَالَ: وَرُوِّينَاهُ عَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا، وَالْوَاقِدِيِّ . وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ غَزَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ النُّعْمَانِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ وَمَعْمَرٍ أَيْضًا، عَنْهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْمَغَازِي مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ بَعْدَ ذَاتِ الرِّقَاعِ غَزْوَةَ بَدْرٍ الْآخِرَةَ، ثُمَّ دُومَةَ الْجَنْدَلِ -كَمَا أَسْلَفْنَاهُ- سُمِّيَتْ بِدُومَةِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ; لِأَنَّهُ نَزَلَهَا. ثُمَّ الْخَنْدَقَ وَبَعْدَهَا غَزْوَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بَعْدَهَا سَرِيَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى الْقُرَطَاءِ، ثُمَّ سَرِيَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ لِقَتْلِ أَبِي رَافِعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِسْلَامَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ غَزْوَةَ ذِي قَرَدَ -بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ضَمَّهُمَا . وَيُقَالُ لَهَا: غَزْوَةُ الْغَابَةِ- وَسَرِيَّةَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ . فَصْلٌ: قَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَسَبَى جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَتِ الْأَسْرَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ، فَطَلَبَتْهُمْ مِنْهُ لَيْلَةَ دَخَلَ بِهَا فَوَهَبَهُمْ لَهَا. فَائِدَةٌ: الْمُصْطَلِقُ مُفْتَعِلٌ مِنَ الصَّلْقِ: وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ. وَالْمُرَيْسِيعُ مَاءٌ لِخُزَاعَةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُرْعِ نَحْوَ يَوْمٍ، وَبَيْنَ الْفُرْعِ وَالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَسَعَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ، إِذَا دَمَعَتْ مِنْ فَسَادٍ، وَهُوَ فَسَادُ الْأَجْفَانِ، وَقَدْ رَسَعَ الرَّجُلُ فَهُوَ أَرْسَعُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: رَسَّعَ تَرْسِيعًا فَهُوَ مُرَسِّعٌ وَمُرَسِّعَةٌ، وَقَدْ تَرَسَّعَتْ عَيْنُهُ أَيْضًا تَرْسِيعًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَدِيثَ جَابِرٍ. أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْعَزْلِ. وَفِيهِ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ". حَقِيقَةُ الْعَزْلِ: أَنْ يُجَامِعَ، فَإِذَا قَارَبَ الْإِنْزَالَ نَزَعَ قَصْدَ الْإِنْزَالِ خَارِجَهُ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الْأَوْلَى تَرَكُهُ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ بِالْإِذْنِ وَعَدَمِهِ، وَقَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَمَةِ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ، وَصَاحِبُ "الْبَحْرِ" حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْوَلَدِ. وَحَاصِلُ الْخِلَافِ فِي الْحُرَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: يَجُوزُ بِالْإِذْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاعْتَبَرَ إِذْنَ مَوَالِي الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي التَّسَرِّي. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، فَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَطْأَهُنَّ قَبْلَ نُزُولِ: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [الْبَقَرَةِ: 221] ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانُوا أَهْلَ كَتَابٍ; وَلِذَلِكَ لَا نَحْتَاجُ إِلَى إِسْلَامِهِنَّ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى; لِقَوْلِهِ: (فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا" اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْمَنْعِ، وَأَنَّهُ إِلَى النَّهْيِ أَقْرَبُ، وَقَالَالْمُبَرِّدُ: مَعْنَاهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا، وَمَعْنَى (لَا) الثَّانِيَةِ ظَرْفًا، وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ حَدِيثَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: "إِنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ" . وَقَوْلُهُ: ("مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ") أَيْ: قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِكُلِّ مَا يَكُونُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مَعَ الْعَزْلِ; وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: وَطِئْتُ وَعَزَلْتُ، حَرُمَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، قَالَ شَمِرٌ: النَّسَمَةُ: كُلُّ دَابَّةٍ فِيهَا رُوحٌ، وَالنَّسَمُ: الرُّوحُ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا مِنْ ذِي نَسَمَةٍ. وَيُرَادُ بِهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَقَالَ الْقَزَّازُ: كُلُّ إِنْسَانٍ نَسَمَةٌ، وَنَفْسُهُ نَسَمَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ نَجْدٍ. قَدْ سَلَفَ فِي الْغَزْوَةِ قَبْلَهَا . وَقَوْلُهُ فِيهِ: (فَشَامَهُ) أَيْ: رَدَّهُ فِي الْغِمْدِ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، يُقَالُ: شَامَهُ إِذَا سَلَّهُ، وَشَامَهُ إِذَا رَدَّهُ فِي غِمْدِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُوَاجِهْهُ; لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَمِيلُهُمْ بِذَلِكَ لِيُرَغِّبَهُمْ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ. وَ (الْعِضَاهُ) سَلَفَ فِي الْغَزْوَةِ قَبْلَهَا. وَحَكَى أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا فِيهِ: هَلْ هِيَ ذَاتُ الشَّوْكِ، أَوِ الْعِظَامُ مِنَ الشَّجَرِ أَجْمَعَ؟ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: النَّحْوِيُّونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَرَأَيْنَا الْعَرَبَ عَلَى الثَّانِي، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: الزَّيْتُونُ وَالنَّخْلُ مِنَ الْعِضَاهِ، وَقَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِالشَّجَرَةِ الطَّوِيلَةِ، وَفِي "الْمُحْكَمِ": وَيُجْمَعُ أَيْضًا: عِضُونٌ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية