الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح وَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِمَسَائِلَ: إِحْدَاهَا: عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ الْمُعَدِّلِينَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارَةً تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَمَنِ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيصًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ، فَلَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ. وَتَوَسَّعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظُ فِي هَذَا فَقَالَ: (كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفُ الْعِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ، مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدًا عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ") وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التقييد والإيضاح 80 - قَوْلُهُ: (وَتَوَسَّعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظُ فِي هَذَا فَقَالَ: (كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفُ الْعِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ، مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدًا عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ" وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ) انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: (يَحْمِلُ) حُكِيَ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْجَزْمُ عَلَى إِرَادَةِ لَامِ الْأَمْرِ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا فَهُوَ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: "لِيَحْمِلْ هَذَا الْعِلْمَ" بِلَامِ الْأَمْرِ. عَلَى أَنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ مَا يُخَلِّصُهُ لِلْأَمْرِ لَمَا جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الْخَبَرِ؛ لِوُجُودِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرِ ثِقَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ الْخُلْفُ فِي خَبَرِ الصَّادِقِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ، عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُوهِنُ اسْتِدْلَالَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَمَعَ هَذَا فَالْحَدِيثُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَشْهَرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ رِوَايَةُ مُعَانِ بْنِ رِفَاعَةَ السُّلَامِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مُقَدِّمَةِ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) وَابْنُ عَدِيٍّ فِي مُقَدِّمَةِ (الْكَامِلِ) وَالْعُقَيْلِيُّ فِي (تَارِيخِ الضُّعَفَاءِ) فِي تَرْجَمَةِ مُعَانِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انْتَهَى. وَهَذَا إِمَّا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرِ هَذَا، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي (بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ). قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: "وَرَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ، قَالَ: ثَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ" انْتَهَى. وَمُعَانٌ أَيْضًا ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَالْجُوزْجَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَدِيٍّ. نَعَمْ، وَثَّقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ تَوْثِيقُهُ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي (الْعِلَلِ) أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: كَأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْضُوعٌ؟ فَقَالَ: "لَا، هُوَ صَحِيحٌ" فَقِيلَ لَهُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، قِيلَ لَهُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ مِسْكِينٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ مُعَانٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَمُعَانٌ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: "وَخَفِيَ عَلَى أَحْمَدَ مِنْ أَمْرِهِ مَا عَلِمَهُ غَيْرُهُ" ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالَ الْمُضَعِّفِينَ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُقَوِّي الْمُرْسَلَ الْمَذْكُورَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ تَبِعَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى اخْتِيَارِ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَوَّاقِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ (بُغْيَةِ النُّقَّادِ): "أَهْلُ الْعِلْمِ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ". وَمِمَّا يُسْتَغْرَبُ فِي ضَبْطِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ حَكَى فِي (فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ) لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بِنَيْسَابُورَ فِي كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مَنَاقِبِ ابْنِ كَرَّامٍ، جَمْعِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْصَمِ قَالَ فِيهِ: "سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ التَّمِيمِيَّ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، فَيَضُمُّ الْيَاءَ مِنْ قَوْلِهِ (يُحْمَلُ) عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيَرْفَعُ الْمِيمَ مِنَ الْعِلْمِ، وَيَقُولُ: "مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عَدُولَةٍ" مَفْتُوحُ الْعَيْنِ وَاللَّامِ وَبِالتَّاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلَفَ هُوَ الْعَدُولَةُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ عَادِلٌ، كَمَا يُقَالُ: شَكُورٌ بِمَعْنَى شَاكِرٍ، وَيَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ صَرُورَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعِلْمَ يُحْمَلُ عَنْ كُلِّ خَلَفٍ كَامِلٍ فِي عَدَالَتِهِ. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الْمُفِيدُ فَإِنَّى قَدْ حَفِظَتْ عَنْهُ: (يَحْمِلُ) مَفْتُوحَ الْيَاءِ (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ) مَضْمُومُ الْعَيْنِ وَاللَّامِ مَرْفُوعًا، هَكَذَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي رِحْلَتِهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية