الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثًا وَرَجَعَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ فَنَفَاهُ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ جَازِمًا بِنَفْيِهِ بِأَنْ قَالَ: "مَا رَوَيْتُهُ، أَوْ كَذَبَ عَلَيَّ" أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَعَارَضَ الْجَزْمَانِ، وَالْجَاحِدُ هُوَ الْأَصْلُ، فَوَجَبَ رَدُّ حَدِيثٍ فَرْعُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا لَهُ يُوجِبُ رَدَّ بَاقِي حَدِيثِهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِشَيْخِهِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ شَيْخِهِ لَهُ بِأَوْلَى مِنْ قَبُولِ جَرْحِهِ لِشَيْخِهِ، فَتَسَاقَطَا. أَمَّا إِذَا قَالَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ: "لَا أَعْرِفُهُ. أَوْ: لَا أَذْكُرُهُ" أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ رَدَّ رِوَايَةِ الرَّاوِي عَنْهُ. وَمَنْ رَوَى حَدِيثًا ثُمَّ نَسِيَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ صَارُوا إِلَى إِسْقَاطِهِ بِذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ رَدَّهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ..." الْحَدِيثَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: "لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ". وَكَذَا حَدِيثُ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ" فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ: "لَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ". التقييد والإيضاح 93 - قَوْلُهُ: (وَبَنَوْا عَلَيْهِ رَدَّهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ..." الْحَدِيثَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: "لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ") انْتَهَى. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: "فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ". وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَرْوِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي (الْعِلَلِ): "فَلَمْ يَعْرِفْهُ" كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، لَا بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا بِهَذَا اللَّفْظِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُ مَنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ فِي رَدِّ الْحَدِيثِ. أَمَّا كَوْنُ التِّرْمِذِيِّ لَمْ يُوصِلْ إِسْنَادَهُ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مُتَّصِلًا عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، ثُمَّ قَالَ: "وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ فَأَنْكَرَهُ، فَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَجْلِ هَذَا". وَأَمَّا كَوْنُهُ مَعْرُوفًا فِي كُتُبِ الْعِلَلِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَهَكَذَا هُوَ فِي سُؤَالَاتِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ، وَفِي الْعِلَلِ لِأَحْمَدَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَدْ رُوِّينَا فِي (السُّنَنِ الْكُبْرَى) لِلْبَيْهَقِيِّ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ إِلَى أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ: "سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ -وَذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ يَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنَ جُرَيْجٍ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَلَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَهُ كُتُبٌ مُدَوَّنَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا فِي كُتُبِهِ" يَعْنِي حِكَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَرُوِّينَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ إِلَى عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِ "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ، قُلْتُ: إِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: لَسْتُ أَحْفَظُهُ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ يَقُولُ هَذَا إِلَّا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَإِنَّمَا عَرَضَ ابْنُ عُلَيَّةَ كُتُبَ ابْنِ جُرَيْجٍ عَلَى عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ فَأَصْلَحَهَا لَهُ. وَرُوِّينَا فِي السُّنَنِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَيْضًا بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ إِلَى جَعْفَرٍ الطَّيَالِسِيِّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، فَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِنَّمَا سَمِعَ ابْنُ عُلَيَّةَ مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمَاعًا لَيْسَ بِذَاكَ، إِنَّمَا صَحَّحَ كُتُبَهُ عَلَى كُتُبِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَضَعَّفَ يَحْيَى ابْنُ مَعِينٍ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جِدًّا. وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ كَلَامَ يَحْيَى هَذَا الْأَخِيرَ غَيْرَ مُوصِلٍ الْإِسْنَادَ، فَقَالَ: "وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ" إِلَخْ، وَهُوَ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "فَأَنْكَرَهُ" أَيْ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْرِفُهُ، كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: إِنَّهُ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، فَلَيْسَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ إِذًا اخْتِلَافٌ كَمَا أَنْكَرَهُ مَنِ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية