الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أَخَذَ عَلَى التَّحْدِيثِ أَجْرًا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ رِوَايَتِهِ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، رُوِّينَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُحَدِّثِ يُحَدِّثُ بِالْأَجْرِ؟ فَقَالَ: "لَا يُكْتَبُ عَنْهُ" وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَتَرَخَّصَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ وَآخَرُونَ فِي أَخْذِ الْعِوَضِ (عَلَى التَّحْدِيثِ) وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ، وَالظَّنُّ يُسَاءُ بِفَاعِلِهِ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ يَنْفِي ذَلِكَ عَنْهُ، كَمِثْلِ مَا حَدَّثَنِيهِ الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ، عَنْ أَبِيهِ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ مُحَمَّدَ بْنَ نَاصِرٍ السَّلَّامِيَّ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ النَّقُورِ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَفْتَاهُ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحْدِيثِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ كَانُوا يَمْنَعُونَهُ عَنِ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَوْ إِسْمَاعِهِ، كَمَنْ لَا يُبَالِي بِالنَّوْمِ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ، وَكَمَنْ يُحَدِّثُ لَا مِنْ أَصْلٍ مُقَابَلٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَنْ عُرِفَ بِقَبُولِ التَّلْقِينِ فِي الْحَدِيثِ. وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ كَثُرَتِ الشَّوَاذُّ وَالْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ. جَاءَ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ". وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ فِي رِوَايَاتِهِ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ. وَكُلُّ هَذَا يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرَّاوِي وَبِضَبْطِهِ. وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ غَلِطَ فِي حَدِيثٍ وَبُيِّنَ لَهُ غَلَطُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَأَصَرَّ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْعِنَادِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَعْرَضَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنِ اعْتِبَارِ مَجْمُوعِ مَا بَيَّنَّا مِنَ الشُّرُوطِ فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمَشَايِخِهِ، فَلَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهَا فِي رِوَايَاتِهِمْ؛ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ الْمُحَافَظَةَ عَلَى خِصِّيصَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَسَانِيدِ، وَالْمُحَاذَرَةُ مِنِ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِهَا، فَلْيُعْتَبَرْ مِنَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ عَلَى تَجَرُّدِهِ، وَلْيُكْتَفَ فِي أَهْلِيَّةِ الشَّيْخِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا، غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِالْفِسْقِ وَالسُّخْفِ، وَفِي ضَبْطِهِ بِوُجُودِ سَمَاعِهِ مُثْبَتًا بِخَطٍّ غَيْرِ مُتَّهَمٍ، وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلٍ مُوَافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا رُوِّينَا عَنْهُ تَوَسُّعَ مَنْ تَوَسَّعَ فِي السَّمَاعِ مِنْ بَعْضِ مُحَدِّثِي زَمَانِهِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ حَدِيثَهُمْ وَلَا يُحْسِنُونَ قِرَاءَتَهُ مَنْ كُتُبِهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِمْ. وَوَجْهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ، أَوْ وَقَفَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالسُّقْمِ قَدْ دُوِّنَتْ وَكُتِبَتْ فِي الْجَوَامِعِ الَّتِي جَمَعَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ؛ لِضَمَانِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ حِفْظَهَا. قَالَ: "فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَالَّذِي يَرْوِيهِ لَا يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِحَدِيثِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التقييد والإيضاح 96 - قَوْلُهُ: (وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ غَلِطَ فِي حَدِيثٍ وَبُيِّنَ لَهُ غَلَطُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَأَصَرَّ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ) قَالَ الشَّيْخُ: (وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْعِنَادِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَحْثًا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: "إِنَّ مَنْ بُيِّنَ لَهُ خَطَؤُهُ وَعَلِمَ فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَتَمَادَى فِي ذَلِكَ كَانَ كَذَّابًا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ". فَقَيَّدَ ابْنُ حِبَّانَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ عَلِمَ خَطَأَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنَادًا إِذَا عَلِمَ الْحَقَّ وَخَالَفَهُ. وَقَيَّدَ أَيْضًا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الَّذِي بَيَّنَ لَهُ غَلَطَهُ عَالِمًا عِنْدَ الْمُبَيَّنِ لَهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عِنْدَهُ فَلَا حَرَجَ إِذًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية