الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح بَيَانُ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَمَجَامِعُهَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ السَّمَاعُ مَنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى إِمْلَاءٍ، وَتَحْدِيثٍ مِنْ غَيْرِ إِمْلَاءٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ حِفْظِهِ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَرَفَعُ الْأَقْسَامِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ. وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى السَّبْتِيِّ - أَحَدِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطَّلِعِينَ - قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ مِنْهُ: "حَدَّثَنَا" وَ"أَخْبَرَنَا" و"َأَنْبَأَنَا" وَ"سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ"، وَ"قَالَ لَنَا فُلَانٌ"، وَ"ذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ". قُلْتُ: فِي هَذَا نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي فِيمَا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَخْصُوصًا بِمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّيْخِ - عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ لَا يُطْلَقَ فِيمَا سُمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ أَنَّ أَرْفَعَ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ "سَمِعْتُ" ثُمَّ "حَدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي" فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُ: "سَمِعْتُ" فِي أَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَلَا فِي تَدْلِيسِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِيمَا أُجِيزَ لَهُ "حَدَّثَنَا" وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ" وَيَتَأَوَّلُ أَنَّهُ حَدَّثَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ إِذْ ذَاكَ بِهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا. قُلْتُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ سَمَاعًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ قَوْلُ: "أَخْبَرَنَا" وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، حَتَّى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا لَا يَكَادُونَ يُخْبِرُونَ عَمَّا سَمِعُوهُ مِنْ لَفْظِ مَنْ حَدَّثَهُمْ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: "أَخْبَرَنَا" مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيَّانِ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَكَرَ الْخَطِيبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: "كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: "أَخْبَرَنَا" حَتَّى قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، فَقَالَا لَهُ: قُلْ: حَدَّثَنَا" فَكُلُّ مَا سَمِعْتُ مَعَ هَؤُلَاءِ قَالَ: "حَدَّثَنَا" وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: "أَخْبَرَنَا ". وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظِ قَالَ : هُشَيْمٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَا يَقُولُونَ إِلَّا " أَخْبَرَنَا" فَإِذَا رَأَيْتَ " حَدَّثَنَا" فَهُوَ مِنَ خَطَأِ الْكَاتِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيعَ تَخْصِيصُ " أَخْبَرَنَا" بِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَ " أَخْبَرَنَا" قَوْلُ " أَنْبَأَنَا" وَ" نَبَّأَنَا" وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ . قُلْتُ : " حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا" أَرْفَعُ مِنْ " سَمِعْتُ" مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي " سَمِعْتُ" دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَّاهُ الْحَدِيثَ وَخَاطَبَهُ بِهِ، وَفِي " حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا" دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِهِ وَرَوَاهُ لَهُ، أَوْ هُوَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ . سَأَلَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ شَيْخَهُ أَبَا بَكْرٍ الْبَرْقَانِيَّ الْفَقِيهَ الْحَافِظَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَنِ السِّرِّ فِي كَوْنِهِ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ لَهُمْ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ الْآبَنْدُونِيِّ: " سَمِعْتُ" وَلَا يَقُولُ " حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا"؟ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ كَانَ مَعَ ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ، فَكَانَ الْبَرْقَانِيُّ يَجْلِسُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَلَا يَعْلَمُ بِحُضُورِهِ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ الشَّخْصَ الدَّاخِلَ إِلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ: " سَمِعْتُ" وَلَا يَقُولُ: " حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا" لِأَنَّ قَصْدَهُ كَانَ الرِّوَايَةَ لِلدَّاخِلِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: " قَالَ لَنَا فُلَانٌ، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ" فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ" غَيْرَ أَنَّهُ لَائِقٌ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ " حَدَّثَنَا". وَقَدْ حَكَيْنَا فِي فَصْلِ التَّعْلِيقِ - عَقِيبَ النَّوْعِ الْحَادِي عَشَرَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مُعَبِّرِينَ بِهِ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ . وَأَوْضَعُ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: " قَالَ فُلَانٌ، أَوْ : ذَكَرَ فُلَانٌ" مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَوْلِهِ " لِي، وَلَنَا" وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ أَنَّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى السَّمَاعِ، إِذَا عُرِفَ لِقَاؤُهُ لَهُ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ: " قَالَ فُلَانٌ" إِلَّا فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ . وَقَدْ كَانَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ يَرْوِي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كُتُبَهُ، وَيَقُولُ فِيهَا: " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ" فَحَمَلَهَا النَّاسُ عَنْهُ، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَاتِهِ، وَكَانَ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا مَا سَمِعَهُ . وَقَدْ خَصَّصَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْقَوْلَ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ بِمَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْأَخْذِ وَالتَّحَمُّلِ : الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ. وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَهَا ( عَرْضًا) مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ كَمَا يُعْرَضُ الْقُرْآنُ عَلَى الْمُقْرِئِ . وَسَوَاءٌ كُنْتَ أَنْتَ الْقَارِئَ، أَوْ قَرَأَ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، أَوْ قَرَأْتَ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَحْفَظُهُ لَكِنْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ هُوَ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ . وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي الْمَرْتَبَةِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ؟ فَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَغَيْرِهِمَا تَرْجِيحُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ . وَالصَّحِيحُ : تَرْجِيحُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْعِبَارَةُ عَنْهَا عِنْدَ الرِّوَايَةِ بِهَا فَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ : أَجْوَدُهَا وَأَسْلَمُهَا أَنْ يَقُولَ: ( قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ ) فَهَذَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ. وَيَتْلُو ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعِبَارَاتِ فِي السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ مُطْلَقَةً، إِذَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا مُقَيَّدَةً، بِأَنْ يَقُولَ: ( حَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ : أَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ) وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ ( أَنْشَدَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ ) فِي الشِّعْرِ . وَأَمَّا إِطْلَاقُ ( حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ : فَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ مَنَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ( حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا). وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الْحِجَازِيِّينَ، وَالْكُوفِيِّينَ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: ( سَمِعْتُ فُلَانًا). وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَالْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ ( حَدَّثَنَا) وَتَجْوِيزُ إِطْلَاقِ ( أَخْبَرَنَا) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ . وَذَكَرَ صَاحِبُ (كِتَابِ الْإِنْصَافِ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْجَوْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ : أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا ( أَخْبَرَنَا) عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ قَائِلِهِ : "أَنَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهُ لَفَظَ بِهِ لِي". قَالَ: " وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، فِي جَمَاعَةٍ مِثْلِهِ مِنْ مُحَدِّثِينَا ". قُلْتُ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ بِمِصْرَ . وَهَذَا يَدْفَعُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ ، إِلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَارَ هُوَ الشَّائِعَ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ ، وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ : إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ " حَدَّثَنَا" لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ وَالْمُشَافَهَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيِّ ، أَحَدِ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ: أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: " حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ" فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ سَمِعَ الشَّيْخَ يَذْكُرُ : أَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ الْكِتَابَ مِنَ الْفَرَبْرِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، فَأَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ كُلِّهِ، وَقَالَ لَهُ فِي جَمِيعِهِ: "أَخْبَرَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ . تَفْرِيعَاتٌ : الْأَوَّلُ : إِذَا كَانَ أَصْلُ الشَّيْخِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ مُرَاعٍ لِمَا يُقْرَأُ، أَهْلٌ لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، بَلْ أَوْلَى لِتَعَاضُدِ ذِهْنَيْ شَخْصَيْنِ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَرَأَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَبِهِ عَمِلَ مُعْظَمُ الشُّيُوخِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ . وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِ الْقَارِئِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ دِينًا وَمَعْرِفَةً، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَأَوْلَى بِالتَّصْحِيحِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِإِمْسَاكِهِ لَهُ، وَلَا يُؤْمَنُ إِهْمَالُهُ لِمَا يُقْرَأُ، فَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ الْقَارِئِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ سَمَاعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، إِذَا كَانَ الشَّيْخُ غَيْرَ حَافِظٍ لِلْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّانِي : إِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا: " أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، أَوْ قُلْتَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ" أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَالشَّيْخُ سَاكِتٌ، مُصْغٍ إِلَيْهِ، فَاهِمٌ لِذَلِكَ، غَيْرُ مُنْكِرٍ لَهُ، فَهَذَا كَافٍ فِي ذَلِكَ . وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ نُطْقًا، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ، وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ ، وأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ . قَالَ أَبُو نَصْرٍ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنِي " أَوْ " أَخْبَرَنِي" وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ قَالَ: " قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ : قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ" . وَفِي حِكَايَةِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الظَّاهِرِيَّةِ شَرَطَ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمَامِ السَّمَاعِ : بِأَنْ يَقُولَ الْقَارِئُ لِلشَّيْخِ: "هُوَ كَمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْكَ؟" فَيَقُولُ : "نَعَمْ". وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ بِتَصْدِيقِ الْقَارِئِ؛ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ التقييد والإيضاح 103 - قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَ أَصْلُ الشَّيْخِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ بِيَدِ غَيْرِهِ) إِلَى أَنْ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَرَأَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ) انْتَهَى. هَذَا الَّذِي أَبْهَمَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَهُ هُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ؛ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ تَرَدَّدَ فِيهِ، قَالَ: "وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى الْمَنْعِ" انْتَهَى. وَوَهَنَ السِّلَفِيُّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الطَّالِبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى شَيْخٍ شَيْئًا مِنْ سَمَاعِهِ هَلْ يَجِبُ أَنْ يُرِيَهُ سَمَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ أَمْ يَكْفِي إِعْلَامُ الطَّالِبِ الثِّقَةِ لِلشَّيْخِ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ سَمَاعُهُ عَلَى فُلَانٍ؟ فَقَالَ السِّلَفِيُّ: "هُمَا سِيَّانِ، عَلَى هَذَا عَهِدْنَا عُلَمَاءَنَا عَنْ آخِرِهِمْ" قَالَ: "وَلَمْ تَزَلِ الْحُفَّاظُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُخْرِجُونَ لِلشُّيُوخِ مِنَ الْأُصُولِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الْفُرُوعُ - بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ - أُصُولًا، وَهَلْ كَانَتِ الْأُصُولُ أَوَّلًا إِلَّا فُرُوعًا؟" انْتَهَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية