الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح ثُمَّ وَجَدْتُ الْخَطِيبَ قَدْ حَكَى مِصْدَاقَ ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، فَذَكَرَ فِيمَا إِذَا وَجَدَ أَصْلَ الْمُحَدِّثِ وَلَمْ يُكْتَبْ فِيهِ سَمَاعُهُ، أَوْ وَجَدَ نُسْخَةً كُتِبَتْ عَنِ الشَّيْخِ تَسْكُنُ نَفْسُهُ إِلَى صِحَّتِهَا أَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَنَعُوا مِنْ رِوَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ . وَجَاءَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيِّ التَّرَخُّصُ فِيهِ . قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ مِنْ شَيْخِهِ عَامَّةٌ لِمَرْوِيَّاتِهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الرِّوَايَةُ مِنْهَا، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ بِالْإِجَازَةِ بِلَفْظِ ( أَخْبَرَنَا)، أَوْ ( حَدَّثَنَا) مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلْإِجَازَةِ فِيهَا ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ التَّسَامُحِ . وَقَدْ حَكَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا غِنًى فِي كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الْإِجَازَةِ، لِيَقَعَ مَا يَسْقُطُ فِي السَّمَاعِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلِمَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ مَرْوِيًّا بِالْإِجَازَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهَا . فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي النُّسْخَةِ سَمَاعَ شَيْخِ شَيْخِهِ، أَوْ هِيَ مَسْمُوعَةٌ عَلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، أَوْ مَرْوِيَّةٌ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ، وَلِشَيْخِهِ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ، وَهَذَا تَيْسِيرٌ حَسَنٌ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ مَاسَّةٌ فِي زَمَانِنَا جِدًّا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثُ : إِذَا وَجَدَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ خِلَافَ مَا يَحْفَظُهُ، نَظَرَ : فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَفِظَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مَا فِي كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ الْمُحَدِّثِ فَلْيَعْتَمِدْ حِفْظَهُ دُونَ مَا فِي كِتَابِهِ إِذَا لَمْ يَتَشَكَّكْ. وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكُرَ الْأَمْرَيْنِ فِي رِوَايَتِهِ، فَيَقُولُ: " حِفْظِي كَذَا، وَفِي كِتَابِي كَذَا ". هَكَذَا فَعَلَ شُعْبَةُ ، وَغَيْرُهُ . وَهَكَذَا إِذَا خَالَفَهُ فِيمَا يَحْفَظُهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، فَلْيَقُلْ: ( حِفْظِي كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ فِيهِ فُلَانٌ أَوْ قَالَ فِيهِ غَيْرِي كَذَا وَكَذَا )، أَوْ شِبْهَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ ، كَذَلِكَ فَعَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعُ : إِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لِسَمَاعِهِ ذَلِكَ ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ : أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ . قُلْتُ : هَذَا الْخِلَافُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ قَرِيبًا فِي جَوَازِ اعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ فِي ضَبْطِ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّ ضَبْطَ أَصْلِ السَّمَاعِ كَضَبْطِ الْمَسْمُوعِ، فَكَمَا كَانَ الصَّحِيحُ - وَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ - تَجْوِيزَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْكِتَابِ الْمَصُونِ فِي ضَبْطِ الْمَسْمُوعِ، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ مَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَذْكُرُ أَحَادِيثَهُ حَدِيثًا حَدِيثًا، كَذَلِكَ لِيَكُنْ هَذَا إِذَا وُجِدَ شَرْطُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ بِخَطِّهِ، أَوْ بِخَطِّ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَالْكِتَابُ مَصُونٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَةُ ذَلِكَ مِنْ تَطَرُّقِ التَّزْوِيرِ، وَالتَّغْيِيرِ إِلَيْهِ، عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَشَكَّكْ فِيهِ، وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى صِحَّتِهِ، فَإِنْ تَشَكَّكَ فِيهِ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْخَامِسُ : إِذَا أَرَادَ رِوَايَةَ مَا سَمِعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا عَارِفًا بِالْأَلْفَاظِ وَمَقَاصِدِهَا، خَبِيرًا بِمَا يُحِيلُ مَعَانِيَهَا، بَصِيرًا بِمَقَادِيرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ إِلَّا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا عَارِفًا بِذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَرْبَابُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ ، فَجَوَّزَهُ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ . وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهِ . وَالْأَصَحُّ : جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا وَصَفْنَاهُ قَاطِعًا بِأَنَّهُ أَدَّى مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي بَلَغَهُ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَالسَّلَفِ الْأَوَّلِينَ ، وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا نَرَاهُ جَارِيًا - وَلَا أَجْرَاهُ النَّاسُ فِيمَا نَعْلَمُ - فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ بُطُونُ الْكُتُبِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ لَفْظَ شَيْءٍ مِنْ كِتَابٍ مُصَنَّفٍ، وَيُثْبِتَ بَدَلَهُ فِيهِ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى رَخَّصَ فِيهَا مَنْ رَخَّصَ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرَجِ وَالنَّصَبِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بُطُونُ الْأَوْرَاقِ وَالْكُتُبِ، وَلِأَنَّهُ إِنْ مَلَكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ فَلَيْسَ يَمْلِكُ تَغْيِيرَ تَصْنِيفِ غَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . السَّادِسُ : يَنْبَغِي لِمَنْ رَوَى حَدِيثًا بِالْمَعْنَى أَنْ يُتْبِعَهُ بِأَنْ يَقُولَ: " أَوْ كَمَا قَالَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا "، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ . رُوِيَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ الْخَطِيبُ : "وَالصَّحَابَةُ أَرْبَابُ اللِّسَانِ، وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِلَّا تَخَوُّفًا مِنَ الزَّلَلِ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ عَلَى الْمَعْنَى مِنَ الْخَطَرِ". قُلْتُ : وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْقَارِئِ فِيمَا يَقْرَؤُهُ لَفْظَةٌ، فَقَرَأَهَا عَلَى وَجْهٍ يَشُكُّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَوْ كَمَا قَالَ" فَهَذَا حَسَنٌ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي مِثْلِهِ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْ كَمَا قَالَ" يَتَضَمَّنُ إِجَازَةً مِنَ الرَّاوِي وَإِذْنًا فِي رِوَايَةِ صَوَابِهَا عَنْهُ إِذَا بَانَ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ إِفْرَادُ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ قَرِيبًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . السَّابِعُ : هَلْ يَجُوزُ اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَرِوَايَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ : فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ مِنَ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا . وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ تَجْوِيزِهِ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ . وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : "انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ، وَلَا تَزِدْ فِيهِ". وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنَ الْعَالِمِ الْعَارِفِ إِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ مَتَمِيِّزًا عَمَّا نَقَلَهُ، غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْتَلُّ الْبَيَانُ، وَلَا تَخْتَلِفُ الدَّلَالَةُ فِيمَا نَقَلَهُ بِتَرْكِ مَا تَرَكَهُ ، فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى; لِأَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ وَالَّذِي تَرَكَهُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - بِمَنْزِلَةِ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ فِي أَمْرَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ . ثُمَّ هَذَا إِذَا كَانَ رَفِيعَ الْمَنْزِلَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ تُهْمَةٌ، نَقَلَهُ أَوَّلًا تَمَامًا، ثُمَّ نَقَلَهُ نَاقِصًا، أَوَنَقَلَهُ أَوَّلًا نَاقِصًا، ثُمَّ نَقَلَهُ تَامًّا . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ : أَنَّ مَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلَى التَّمَامِ، وَخَافَ إِنْ رَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى النُّقْصَانِ أَنْ يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ زَادَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ، أَوْ أَنَّهُ نَسِيَ فِي الثَّانِي بَاقِيَ الْحَدِيثِ لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ، وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَ هَذِهِ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ الْفَقِيهُ : أَنَّ مَنْ رَوَى بَعْضَ الْخَبَرِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ تَمَامَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ زَادَ فِي حَدِيثِهِ ، كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ الزِّيَادَةِ وَكِتْمَانِهَا . قُلْتُ : مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ غَيْرَ تَامٍّ، إِذَا كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ تَمَامِهِ; لِأَنَّهُ إِذَا رَوَاهُ أَوَّلًا نَاقِصًا أَخْرَجَ بَاقِيَهُ عَنْ حَيِّزِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَدَارَ : بَيْنَ أَنْ لَا يَرْوِيَهُ أَصْلًا فَيُضَيِّعَهُ رَأْسًا، وَبَيْنَ أَنْ يَرْوِيَهُ مُتَّهَمًا فِيهِ فَيُضَيِّعَ ثَمَرَتَهُ لِسُقُوطِ الْحُجَّةِ فِيهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْمُصَنِّفِ مَتْنَ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَتَفْرِيقُهُ فِي الْأَبْوَابِ ، فَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ، وَمِنَ الْمَنْعِ أَبْعَدُ، وَقَدْ فَعَلَهُ مَالِكٌ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ كَرَاهِيَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّامِنُ : يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ لَا يَرْوِيَ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ، أَوْ مُصَحِّفٍ . رُوِّينَا عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ : "جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الْأَصْلِ مُعْرَبَةً ". وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي الْفُرَاوِيُّ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ : أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو جَدِّي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ ، أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : أَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَأَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ . قُلْتُ : فَحَقَّ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ شَيْنِ اللَّحْنِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَمَعَرَّتِهِمَا . رُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ : "مَنْ طَلَبِ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُبْصِرِ الْعَرَبِيَّةَ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ" أَوْ كَمَا قَالَ . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : "مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَعْرِفُ النَّحْوَ مَثَلُ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ لَا شَعِيرَ فِيهَا ". وَأَمَّا التَّصْحِيفُ : فَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنْهُ الْأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالضَّبْطُ، فَإِنَّ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ وَكَانَ أَخْذُهُ وَتَعَلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ، كَانَ مِنْ شَأْنِهِ التَّحْرِيفُ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّصْحِيفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . التَّاسِعُ : إِذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ لَحْنٌ، أَوْ تَحْرِيفٌ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَلَى الْخَطَأِ كَمَا سَمِعَهُ ، وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ . وَهَذَا غُلُوٌّ فِي مَذْهَبِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى تَغْيِيرَهُ، وَإِصْلَاحَهُ، وَرِوَايَتَهُ عَلَى الصَّوَابِ ، رُوِّينَا ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ وَالْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ . وَالْقَوْلُ بِهِ فِي اللَّحْنِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْنَى وَأَمْثَالِهِ لَازِمٌ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَأَمَّا إِصْلَاحُ ذَلِكَ وَتَغْيِيرُهُ فِي كِتَابِهِ وَأَصْلِهِ ، فَالصَّوَابُ تَرْكُهُ، وَتَقْرِيرُ مَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مَعَ التَّضْبِيبِ عَلَيْهِ، وَبَيَانِ الصَّوَابِ خَارِجًا فِي الْحَاشِيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَنْفَى لِلْمَفْسَدَةِ . وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ، وَكَأَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ أَوْ لِسَانِهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ : "لَفْظَةٌ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ غَيَّرْتُهَا بِرَأْيِي، فَفُعِلَ بِي هَذَا ". وَكَثِيرًا مَا نَرَى مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأً - وَرُبَّمَا غَيَّرُوهُ - صَوَابًا ذَا وَجْهٍ صَحِيحٍ وَإِنْ خَفِيَ وَاسْتُغْرِبَ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَتَشَعُّبِهَا . وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : "كَانَ إِذَا مَرَّ بِأَبِي لَحْنٌ فَاحِشٌ غَيَّرَهُ، وَإِذَا كَانَ لَحْنًا سَهْلًا تَرَكَهُ، وَقَالَ : كَذَا قَالَ الشَّيْخُ ". وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا : عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ عِيَاضٍ بِمَا مَعْنَاهُ، وَاخْتِصَارُهُ: "أَنَّ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأَشْيَاخِ أَنْ يَنْقُلُوا الرِّوَايَةَ كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُغَيِّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى فِي أَحْرُفٍ مِنَ الْقُرْآنِ، اسْتَمَرَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا فِي الْكُتُبِ عَلَى خِلَافِ التِّلَاوَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي الشَّوَاذِّ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَ "الْمُوَطَّأِ" وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُمْ يُنَبِّهُونَ عَلَى خَطَئِهَا عِنْدَ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ، وَفِي حَوَاشِي الْكُتُبِ، مَعَ تَقْرِيرِهِمْ مَا فِي الْأُصُولِ عَلَى مَا بَلَغَهُمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ جَسَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْكُتُبِ، وَإِصْلَاحِهَا، مِنْهُمْ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنَانِيُّ الْوَقَشِيُّ ، فَإِنَّهُ - لِكَثْرَةِ مُطَالَعَتِهِ وَافْتِتَانِهِ، وَثُقُوبِ فَهْمِهِ، وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ - جَسَرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ كَثِيرًا، وَغَلِطَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ . فَالْأَوْلَى سَدُّ بَابِ التَّغْيِيرِ، وَالْإِصْلَاحِ، لِئَلَّا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ، وَهُوَ أَسْلَمُ مَعَ التَّبْيِينِ، فَيَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ السَّمَاعِ كَمَا وَقَعَ، ثُمَّ يَذْكُرُ وَجْهَ صَوَابِهِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَهُ، أَوَّلًا عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ قَالَ: " وَقَعَ عِنْدَ شَيْخِنَا، أَوْ فِي رِوَايَتِنَا، أَوْ مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ". وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، كَيْلَا يَتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ . وَأَصْلَحُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِصْلَاحِ أَنْ يَكُونَ مَا يُصْلَحُ بِهِ الْفَاسِدُ قَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ، فَإِنْ ذَاكَرَهُ آمِنٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّلًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْعَاشِرُ : إِذَا كَانَ الْإِصْلَاحُ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ قَدْ سَقَطَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُغَايَرَةٌ فِي الْمَعْنَى ، فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَذَلِكَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : "أَرَأَيْتَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَادُ فِيهِ الْوَاوُ وَالْأَلِفُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؟ فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا". وَإِنْ كَانَ الْإِصْلَاحُ بِالزِّيَادَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى مُغَايِرٍ لِمَا وَقَعَ فِي الْأَصَلِ تَأَكَّدَ فِيهِ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ يَذْكُرُ مَا فِي الْأَصْلِ مَقْرُونًا بِالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا سَقَطَ، لِيَسْلَمَ مِنْ مَعَرَّةِ الْخَطَأِ، وَمِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى شَيْخِهِ مَا لَمْ يَقُلْ . حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ: " عَنْ بُحَيْنَةَ " فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: إِنَّمَا هُوَ " ابْنُ بُحَيْنَةَ " وَلَكِنَّهُ قَالَ " بُحَيْنَةَ ". وَإِذَا كَانَ مِنْ دُونِ مَوْضِعِ الْكَلَامِ السَّاقِطِ مَعْلُومًا أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَنْ بَعْدَهُ، فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يُلْحَقَ السَّاقِطُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعَ كَلِمَةِ ( يَعْنِي ) كَمَا فَعَلَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ ، إِذْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنِ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهَا قَالَتْ : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ". قَالَ الْخَطِيبُ : "كَانَ فِي أَصْلِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ " فَأَلْحَقْنَا فِيهِ ذِكْرَ عَائِشَةَ إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَحَامِلِيَّ كَذَلِكَ رَوَاهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ كِتَابِ شَيْخِنَا أَبِي عُمَرَ، وَقُلْنَا فِيهِ: " تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا" لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَمْ يَقُلْ لَنَا ذَلِكَ، وَهَكَذَا رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا يَفْعَلُ فِي مِثْلِ هَذَا ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : أَنَا أَسْتَعِينُ فِي الْحَدِيثِ بِـ" يَعْنِي". قُلْتُ : وَهَذَا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ رَوَاهُ لَهُ عَلَى الْخَطَأِ . فَأَمَّا إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ لَا مِنْ شَيْخِهِ، فَيَتَّجِهُ هَاهُنَا إِصْلَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِهِ مَعًا . ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِي ( حَجَّاجٌ، عَنْ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) يَجُوزُ لِي أَنْ أُصْلِحَهُ ( ابْنَ جُرَيْجٍ)؟ فَقَالَ : "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا إِذَا دَرَسَ مِنْ كِتَابِهِ بَعْضُ الْإِسْنَادِ، أَوِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، إِذَا عَرَفَ صِحَّتَهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّاقِطُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ . وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِيمَا رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْهُ ، قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ : "وَلَوْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي حَالِ الرِّوَايَةِ كَانَ أَوْلَى ". وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي اسْتِثْبَاتِ الْحَافِظِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِنْهُمْ عَاصِمٌ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُبَيِّنُ مَا ثَبَّتَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَقُولُ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَثَبَّتَنِي فُلَانٌ" كَمَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ : "أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، وَثَبَّتَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ". وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ كَلِمَةً مِنْ غَرِيبِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهَا، وَيَرْوِيَهَا عَلَى مَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ . رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَادِي عَشَرَ : إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الرَّاوِي عَنِ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَبَيْنَ رِوَايَتِهِمَا تَفَاوُتٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْنَادِ، ثُمَّ يَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، وَيَقُولُ : " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ، أَوْ هَذَا لَفْظُ فُلَانٍ، قَالَ : أَوْ قَالَا : أَنَا فُلَانٌ"، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ . وَلِمُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَعَ هَذَا فِي ذَلِكَ عِبَارَةٌ أُخْرَى حَسَنَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ " فَإِعَادَتُهُ ثَانِيًا ذِكْرَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً إِشْعَارٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لَهُ . وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَخُصَّ لَفْظَ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ، بَلْ أَخَذَ مِنْ لَفْظِ هَذَا، وَمِنْ لَفْظِ ذَاكَ، وَقَالَ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ" فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - صَاحِبِ السُّنَنِ -: " حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَبُو تَوْبَةَ - الْمَعْنَى - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ " مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا فِي كِتَابِهِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ لِمُسَدَّدٍ، وَيُوَافِقُهُ أَبُو تَوْبَةَ فِي الْمَعْنَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ لَفْظَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، بَلْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَنْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَقْرُبُ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ". وَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ جَمَاعَةِ رُوَاةٍ قَدِ اتَّفَقُوا فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ لَفْظَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا عِيبَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . وَإِذَا سَمِعَ كِتَابًا مُصَنَّفًا مِنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَابَلَ نُسْخَتَهُ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَهُمْ فِي الْإِسْنَادِ، وَيَقُولَ: " وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ" كَمَا سَبَقَ ، فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْأَوَّلِ; لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بِنَصِّهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ بِلَفْظِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِكَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ حَتَّى يُخْبِرَ عَنْهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ مَنْ نَسَبَ اللَّفْظَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُوَافَقَتِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّانِي عَشَرَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي نَسَبِ مَنْ فَوْقَ شَيْخِهِ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ مُدْرِجًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ مُمَيَّزٍ، فَإِنْ أَتَى بِفَصْلٍ جَازَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: ( هُوَ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ) أَوْ ( يَعْنِي : ابْنَ فُلَانٍ) وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ ( اللُّقَطِ ) لَهُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ : إِذَا حَدَّثَكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَلَمْ يَنْسِبْهُ، فَأَحْبَبْتَ أَنْ تَنْسِبَهُ، فَقُلْ: ( حَدَّثَنَا فُلَانٌ ، أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، حَدَّثَهُ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ ذَكَرَ نَسَبَ شَيْخِهِ، أَوْ صِفَتَهُ، فِي أَوَّلِ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عِنْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ، وَاقْتَصَرَ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ الشَّيْخِ، أَوْ بَعْضِ نَسَبِهِ ، مِثَالُهُ : أَنْ أَرْوِيَ جُزْءًا عَنِ الْفُرَاوِيِّ، وَأَقُولَ فِي أَوَّلِهِ: " أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ" وَأَقُولُ فِي بَاقِي أَحَادِيثِهِ: " أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ " فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنِّي أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي الْأَحَادِيثَ الَّتِي بَعْدَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مُتَفَرِّقَةً، وَيَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا: " أَنَا فُلَانٌ، قَالَ : أَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ : أَنَا فُلَانٌ) وَإِنْ لَمْ أَذْكُرْ لَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِي لَهُ أَوَّلًا؟ فَهَذَا قَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ". وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ اسْمُ الرَّجُلِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ قَالَ " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ". وَرُوِيَ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ هَكَذَا رَأَى أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيَّ - نَزِيلَ نَيْسَابُورَ - يَفْعَلُ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الْمُجَوِّدِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَوَاهَا لَهُ قَالَ فِيهَا: " أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ : أَنَّ أَبَا يَعْلَى أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيَّ أَخْبَرَهُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي ِّ: أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ : أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُحَمَّدَ بْنَ سُفْيَانَ الصَّفَّارَ أَخْبَرَهُمْ " فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهَا أَحَادِيثُ سَمِعَهَا قِرَاءَةً عَلَى شُيُوخِهِ فِي جُمْلَةِ نُسَخٍ، نَسَبُوا الَّذِينَ حَدَّثُوهُمْ بِهَا فِي أَوَّلِهَا، وَاقْتَصَرُوا فِي بَقِيَّتِهَا عَلَى ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ. قَالَ : وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ" ثُمَّ يَسُوقُ نَسَبَهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ . قَالَ : "وَهَذَا الَّذِي أَسْتَحِبُّهُ; لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا أُجِيزَ لَهُمْ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُمْ ". قُلْتُ : جَمِيعُ هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ، وَأَوْلَاهَا أَنْ يَقُولَ: ( هُوَ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ)، ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: ( إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ)، ثُمَّ أَنْ يَذْكُرَ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثَ عَشَرَ : جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَذْفِ ( قَالَ ) وَنَحْوِهِ، فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ خَطًّا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ لَفْظًا . وَمِمَّا قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ ( قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ)، فَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: ( قِيلَ لَهُ : أَخْبَرَكَ فُلَانٌ)، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ ( قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ)، فَهَذَا يَذْكُرُ فِيهِ ( قَالَ )، فَيُقَالُ ( قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قَالَ : ثَنَا فُلَانٌ)، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ خَطًّا هَكَذَا فِي بَعْضِ مَا رُوِّينَاهُ . وَإِذَا تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ ( قَالَ ) كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ: " حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ : قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ" حَذَفُوا إِحْدَاهُمَا فِي الْخَطِّ، وَعَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهِمَا جَمِيعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ . التقييد والإيضاح 121 - قَوْلُهُ: (جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَذْفِ "قَالَ" وَنَحْوِهِ فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ خَطًّا، وَلَابُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ حَالَ الْقِرَاءَةِ لَفْظًا" انْتَهَى. هَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا إِنَّهُ لَابُدَّ مِنَ النُّطْقِ بِقَالَ لَفْظًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّمَاعُ بِدُونِهَا. وَخَالَفَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي الْفَتَاوَى؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ فِيهَا عَنْ تَرْكِ الْقَارِئِ "قَالَ" فَقَالَ: "هَذَا خَطَأٌ مِنْ فَاعِلِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ السَّمَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْقَوْلِ جَائِزٌ اخْتِصَارًا، جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ" وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي (التَّقْرِيبِ وَالتَّيْسِيرِ): "تَرْكُهَا خَطَأٌ وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ السَّمَاعِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية