الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح هَذَا: وَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْعُلُومِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنْفَعِ الْفُنُونِ النَّافِعَةِ، يُحِبُّهُ ذُكُورُ الرِّجَالِ وَفُحُولَتُهُمْ، وَيُعْنَى بِهِ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ وَكَمَلَتُهُمْ، وَلَا يَكْرَهُهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رُذَالَتُهُمْ وَسَفَلَتُهُمْ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ تَوَلُّجًا فِي فُنُونِهَا، لَا سِيَّمَا الْفِقْهَ الَّذِي هُوَ إِنْسَانُ عُيُونِهَا؛ وَلِذَلِكَ كَثُرَ غَلَطُ الْعَاطِلِينَ مِنْهُ مِنْ مُصَنِّفِي الْفُقَهَاءِ، وَظَهَرَ الْخَلَلُ فِي كَلَامِ الْمُخِلِّينَ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَلَقَدْ كَانَ شَأْنُ الْحَدِيثِ فِيمَا مَضَى عَظِيمًا، عَظِيمَةً جُمُوعُ طَلَبَتِهِ، رَفِيعَةٌ مَقَادِيرُ حُفَّاظِهِ وَحَمَلَتِهِ. وَكَانَتْ عُلُومُهُ بِحَيَاتِهِمْ حَيَّةً، وَأَفْنَانُ فُنُونِهِ بِبَقَائِهِمْ غَضَّةٌ، وَمَغَانِيهِ بِأَهْلِهِ آهِلَةٌ، فَلَمْ يَزَالُوا فِي انْقِرَاضٍ، وَلَمْ يَزَلْ فِي انْدِرَاسٍ، حَتَّى آضَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ صَارَ أَهْلُهُ إِنَّمَا هُمْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ، ضَعِيفَةُ الْعُدَدِ، لَا تُعْنَى عَلَى الْأَغْلَبِ فِي تَحَمُّلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَمَاعِهِ غُفْلًا، وَلَا تُعْنَى فِي تَقْيِيدِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ كِتَابَتِهِ عُطْلًا، مُطَّرِحِينَ عُلُومَهُ الَّتِي بِهَا جَلَّ قَدْرُهُ، مُبَاعِدِينَ مَعَارِفَهُ الَّتِي بِهَا فَخُمَ أَمْرُهُ. فَحِينَ كَادَ الْبَاحِثُ عَنْ مُشْكِلِهِ لَا يَلْقَى لَهُ كَاشِفًا، وَالسَّائِلُ عَنْ عِلْمِهِ لَا يَلْقَى بِهِ عَارِفًا، مَنَّ اللَّهُ الْكَرِيمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيَّ - وَلَهُ الْحَمْدُ - أَنْ أَجْمَعَ بِكِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ هَذَا الَّذِي بَاحَ بِأَسْرَارِهِ الْخَفِيَّةِ، وَكَشَفَ عَنْ مُشْكِلَاتِهِ الْأَبِيَّةِ، وَأَحْكَمَ مَعَاقِدَهُ، وَقَعَّدَ قَوَاعِدَهُ، وَأَنَارَ مَعَالِمَهُ، وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ، وَفَصَّلَ أَقْسَامَهُ، وَأَوْضَحَ أُصُولَهُ، وَشَرَحَ فُرُوعَهُ وَفُصُولَهُ، وَجَمَعَ شَتَاتَ عُلُومِهِ وَفَوَائِدِهِ، وَقَنَصَ شَوَارِدَ نُكَتِهِ وَفَوَائِدِهِ. فَاللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، وَالْإِعْطَاءُ وَالْمَنْعُ، أَسْأَلُ، وَإِلَيْهِ أَضْرَعُ وَأَبْتَهِلُ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، مُتَشَفِّعًا إِلَيْهِ بِكُلِّ شَفِيعٍ، أَنْ يَجْعَلَهُ مَلِيًّا بِذَلِكَ وَأَمْلَى، وَفِيًّا بِكُلِّ ذَلِكَ وَأَوْفَى، وَأَنْ يُعْظِمَ الْأَجْرَ وَالنَّفْعَ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّهُ قَرِيبُ مُجِيبٌ. وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. التقييد والإيضاح 1 - قَوْلُهُ: (وَيُعْنَى بِهِ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ وَكَمَلَتُهُمْ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْفِعْلِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ. وَحَكَى الْهَرَوِيُّ فِي "الْغَرِبَيْنِ" أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْضًا، فَيُقَالُ: (عَنِيَ بِكَذَا يَعْنِي بِهِ). وَحَكَاهُ الْمُطَرِّزِيُّ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ: عَانٍ بِأُخْرَاهَا طَوِيلُ الشُّغْلِ ..................... قَالَ: وَالْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ أَفْصَحُ. 2 - قَوْلُهُ: (يَجْعَلُهُ اللَّهُ مَلِيًّا بِذَلِكَ وَأَمْلَى، وَفِيًّا بِكُلِّ ذَلِكَ وَأَوْفَى) اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَلِيًّا وَأَمْلَى بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَكَتَبَهُ بِالْيَاءِ لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: (وَفِيًّا وَأَوْفَى) وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ مَهْمُوزٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: (مَلُوءُ الرَّجُلِ) - بِضَمِّ اللَّامِ وَبِالْهَمْزِ - أَيْ صَارَ مَلِيئًا أَيْ ثِقَةً، وَهُوَ (مَلِيءٌ بَيْنَ الْمَلَأِ وَالْمَلَاءَةِ مَمْدُودَانِ) قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية