صحيح مسلم
346 [ 173 ] وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري - وكانت له صحبة - قال : قيل له : توضأ لنا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فدعا بإناء فأكفأ منه على يديه ، فغسلهما ثلاثا ، ثم أدخل يده فاستخرجها ، فمضمض واستنشق من كف واحدة ، ففعل ذلك ثلاثا ، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين ، مرتين مرتين ، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ، ثم قال : هكذا كان وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
زاد في أخرى : فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه .
وفي أخرى : فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات . وفيها : فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة .
وفي أخرى : ومسح برأسه بماء غير فضل يديه ، وغسل رجليه حتى أنقاهما .
رواه أحمد ( 4 \ 39 ) ، والبخاري ( 285 ) ، ومسلم ( 235 ) و ( 236 ) ، وأبو داو ( 118 - 120 ) ، والترمذي ( 35 و 47 ) ، والنسائي ( 1 \ 71 - 72 ) .
المفهم
و (قوله في حديث عبد الله بن زيد : " وقيل له : توضأ لنا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتوضأ " . المعلم للوضوء إذا نوى به رفع الحدث أجزأه ، فإن لم ينو ، لم يجزه عند من يشترط النية على ما يأتي ، وكذلك المتعلم .
[ ص: 485 ] و (قوله : " فغسلهما ثلاثا ") حجة لأشهب في اختياره في غسلهما الإفراغ عليهما معا ، وقد روى ابن القاسم عن مالك : أنه استحب أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلها ، ثم يدخلها ويصب بها على اليسرى ، محتجا بقوله في " الموطأ " في هذا الحديث : " فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين مرتين " . وقد يكون منشأ الخلاف في هذا الفرع الخلاف في غسلهما ، هل هو عادة فيغسل كل عضو منهما بانفراده كسائر الأعضاء ؟ أو هو للنظافة فتغسلان مجتمعين .
و (قوله : " فمضمض واستنشق من كف واحدة ، فعل ذلك ثلاثا ") أي : جمع بين المضمضة والاستنشاق في كف واحدة . وفعل ذلك ثلاثا من ثلاث غرفات ، كما بينه في رواية ابن وهب ، فإنه قال : " فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات " . وقد اختلف في الأولى من ذلك عن مالك والشافعي ، فقيل : الأولى عندهما : جمعهما في غرفة واحدة ، والإتيان بها كذلك في ثلاث غرفات ، وقيل : بل الأولى عندهما إفراد كل واحدة منهما متفرقين بثلاث غرفات ، ويشهد للأولى رواية ابن وهب ، والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله : " فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق " . قيل : بل يفعلان معا ثلاث مرات من غرفة واحدة ، كما روى البخاري قال : " فمضمض واستنشق ثلاثا من غرفة " .
و (قوله : " ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ") ظاهره : أنه أدخل يده الواحدة في الماء فأفرغ بها على اليسرى . وهو أحد القولين عندنا ، وأنه كذلك [ ص: 486 ] يفعل في جميع الأعضاء . وفي البخاري في بعض طرق هذا الحديث : " ثم أدخل يديه فاغترف بهما " . وهذا حجة لاختيار مالك في هذه المسألة ، وكذلك القول في غرفة مسح الرأس .
وفي البخاري : " ثم أخذ بيديه ماء فمسح برأسه " . واختلف عن مالك في حد الوجه طولا وعرضا . فأما الطول فمن منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن مطلقا ، للأمرد والملتحي . وقيل : إلى آخر اللحية للملتحي . وأما حده عرضا ; فمن الأذن إلى الأذن . وقيل : من العذار إلى العذار ، وقيل : بالفرق بين الأمرد والملتحي ، وسبب هذا الخلاف : الاختلاف في اسم الوجه والمواجهة على ماذا يقعان ؟
و (قوله : " فغسل يديه إلى المرفقين ") المرفق : هو العظم الناتئ في آخر الذراع ، سمي بذلك ; لأنه يرتفق عليه ، أي : يتكأ ويعتمد . واختلف فيهما : هل يدخلان في الغسل أم لا ؟
وسببه : توهم الاشتراك في " إلى " وذلك أنها لانتهاء الغاية في الأصل ، وقد تأتي بمعنى : " مع " في مثل قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [ النساء : 2 ] ، وفي قوله تعالى : من أنصاري إلى الله [ آل عمران : 52 ] . وفي قول العرب : " الذود إلى الذود إبل " ، والأصل فيها : انتهاء الغاية ، فيجب أن تحمل عليه . ويمكن أن يقال : إن " إلى " وإن كانت لانتهاء الغاية فهي محتملة لدخول الغاية فيما قبلها ، والذي يرفع الخلاف فيها ما حكي عن سيبويه : أن الغاية إن كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه ، وإن لم تكن لم تدخل ، مثال ذلك : أن تقول : بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة ، والمبيع شجر ، فلا شك في دخول [ ص: 487 ] الشجرتين في جملة الشجر المبيعة ، وإن كان المبيع أرضا لم يدخلا ، والله تعالى أعلم .
و (قوله : " فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ") دليل على عدم كراهة الشفع في الغسلات ، ولا خلاف أنه يجوز الاقتصار على الواحدة إذا أسبغ ، وأن الاثنتين أفضل من الاقتصار على الواحدة ، وأن الثلاث أفضل من الاثنتين ، وأن الزيادة على الثلاث ممنوعة ، إلا أن يفعل بنية تجديد الوضوء ، فإن أبا حنيفة أجاز ذلك ، وعندنا أنه لا يصح له التجديد حتى يفعل بذلك الوضوء صلاة ، وسيأتي . وقد كره مالك الاقتصار على الواحدة للجاهل ; لما يخاف من تفريطه ، وللعالم لئلا يقتدي به الجاهل .
و (قوله : " فمسح برأسه ") الباء في " برأسه " باء التعدية ; أي : التي يجوز حذفها وإثباتها ، كقولك : مسحت برأس اليتيم ، ومسحت رأسه ، وسميت ابني بمحمد ومحمدا ، ولا يصح أن تكون للتبعيض ، خلافا للشافعي ; لأن المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك ، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك : " مسحت برأسه " كقولك : " مسحت ببعض رأسه " ، ولو كان كذلك لما حسن أن تقول : " مسحت ببعض رأسه " ، ولا " برأسه بعضه " ; لأنه كان يكون تكريرا ، ولا " مسحت برأسه كله " ; لأنه : كان يكون مناقضا له ، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا ; فإنه يقال : مسحت برأسه ، ومسحت رأسه بمعنى واحد ، وأيضا فلو كانت مبعضة في مسح الرأس في الوضوء لكانت مبعضة في مسح [ ص: 488 ] الوجه في التيمم ; لتساوي اللفظين في المحلين ، ولم لا فلا ، ومذهب مالك رحمه الله وجوب عموم مسح الرأس تمسكا باسم الرأس ، فإنه للعضو بجملته كالوجه ، وتمسكا بهذه الأحاديث ، ثم نقول : نحن وإن تنزلنا على أن " الباء " تكون مبعضة وغير مبعضة ، فذلك يوجب فيها إجمالا أزاله النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله ، فكان فعله بيانا لمجمل واجب ، فكان مسحه كله واجبا ، وسيأتي القول في حديث المغيرة الذي ذكر فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - : مسح مقدم رأسه وعلى عمامته .
و (قوله : " فأقبل بيديه وأدبر ") معناه : أقبل إلى جهة قفاه ، والإدبار : رجوعه إلى حيث بدأ ، كما فسره حيث قال : " فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه " . وقيل : المراد : أدبر وأقبل ; لأن الواو لا تعطي رتبة . وفي البخاري : " فأدبر بهما وأقبل " ، وهذا أولى لهذا النص . وقيل : معنى أقبل : دخل في قبل الرأس ، كما يقال : أنجد وأتهم : إذا دخل نجدا وتهامة .
وقيل : معناه : أنه ابتدأ من الناصية مقبلا إلى الوجه ، ثم ردهما إلى القفا ، ثم رجع إلى الناصية . وهذا ظاهر اللفظ . والإقبال والإدبار مسحة واحدة ; لأنها بماء واحد ، والمقصود بالردة على الرأس : المبالغة في استيعابه .
و (قوله : " ثم غسل رجليه إلى الكعبين ") الكعب في اللغة : هو العظم الناشز [ ص: 489 ] عند ملتقى الساق والقدم ، وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ، قاله في الصحاح ، والأول هو المشهور عند أهل المذهب والفقهاء . وقد روي عن ابن القاسم : أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك ، والأول هو الصحيح المعروف .
و (قوله : " ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ") دليل على مشروعية تجديد الماء لمسح الرأس ، وأنه سنة ، خلافا للأوزاعي والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداء بما فضل في يديه .
ولم يجئ في هذا الحديث ولا في حديث عثمان للأذنين ذكر ، ويمكن أن يكون ذلك ; لأن اسم الرأس تضمنهما . وقد جاءت الأحاديث صحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وأدخل أصابعه في صماخيه ، وسيأتي ذكرهما .
[ ص: 490 ] وهذه الأحاديث أعني حديث عثمان وعبد الله تدل على مراعاة الترتيب في الوضوء والموالاة . وقد اختلف أهل المذهب في ذلك وغيرهم على ثلاثة أقوال : الوجوب ، والسنة ، والاستحباب ، والأولى القول بالسنة فيهما ; إذ لم يصح قط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ منكسا ولا مفرقا تفريقا متفاحشا ، وليس في آية الوضوء ما يدل على وجوبهما ، وما ذكر من أن الواو ترتب لا يصح ، ومما يدل على بطلان ذلك وقوعها في موضع يستحيل فيه الترتيب ، وذلك باب المفاعلة ، فإنها لا تكون إلا من اثنين ، فإن العرب تقول : تخاصم زيد وعمرو ، ولا يجوز أن يكون هنا ترتيب ، ولا أن يقع موقعها حرف من حروف الترتيب بوجه من الوجوه ، فصح ما قلناه .


