الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في بيع اللحم باللحم نيئه بمطبوخه

                                                                                                                                                                                        وإذا كان اللحم صنفا واحدا، جاز بيع بعضه ببعض إذا كانا ذبحا في وقت واحد أو متقارب، وإن بعد ما بينهما وجف أحدهما دون الآخر لم يجز مثلا بمثل.

                                                                                                                                                                                        ويختلف هل يتحرى ذلك النقص أو يكون ذلك على وجه التفضل من صاحب الأول، وهما في الجودة سواء، أو كان الأول أجود فيجوز، كما قال في الدنانير القليلة بأوزن منها، وإن كان الأول أدنى لم يجز وكان ربا .

                                                                                                                                                                                        واختلف هل يتحرى عظم كل واحد من اللحمين؟ فالظاهر من المذهب الجواز من غير اعتبار في ذلك.

                                                                                                                                                                                        وقال ابن شعبان: يتحرى أو يفصل منه.

                                                                                                                                                                                        والأول أحسن إذا كانت شاة بشاة أو نصفا بنصف، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - التمر بالتمر مكايلة ، وإن كان مختلف النوى وبعضه منتقى والآخر على غير ذلك. [ ص: 3128 ]

                                                                                                                                                                                        وإن كان لحما معظما وأحدهما كثير العظام، لم يجز إلا على وجه المكارمة والتفضل من أحدهما للآخر ، ويعتبر مثل ذلك في قسمته إلا أن المقاسمة تجوز أن يفضل أحدهما الآخر فيعطى أوزن، فإذا جاز أن يعطى أوزن جاز أن يكون مباينا للعظام ما لم يكن لحمه أحسن، وقد يكون موضع من الشاة أطيب لحما.

                                                                                                                                                                                        وأجاز ابن القاسم بيع الرؤوس بعضها ببعض موازنة، وإن دخل في ذلك رأس برأسين، وعلى القول الآخر لا يجوز إلا أن يتحرى اللحم.

                                                                                                                                                                                        واختلف في بيع الشاة بالشاة إذا ذبحتا ولم تسلخا على التحري على ثلاثة أقوال:

                                                                                                                                                                                        فقال ابن القاسم: لا بأس به إذا كان يقدر فيه على التحري حتى يكونا مثلا بمثل. قال أصبغ في كتاب محمد: لا يجوز; لأنه لا يقدر فيه على التحري ويقع فيه اللحم المغيب.

                                                                                                                                                                                        وقال فضل بن سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما إلا أن يستثني كل واحد منهما جلد شاته.

                                                                                                                                                                                        وأرى أن يمنع ذلك كله; لأنهما إن دخلا على تسليم الجلود في المعاوضة كان بيع عرض وطعام بعرض وطعام، وهو في هذا بخلاف حلية السيفين إذا كانت تبعا; لأن تلك للضرورة في نزعها، وإنما تشترى لتبقى على حالها، وهذه تنزع جلودها. [ ص: 3129 ]

                                                                                                                                                                                        وإن دخلا على أن الجلود لأربابها دخله الفساد من وجهين: الغرر; لأنه لحم مغيب.

                                                                                                                                                                                        والآخر: التفاضل; لأن التحري لا يأتي على المثل بالحقيقة.

                                                                                                                                                                                        وبيع القديد بالقديد، والمطبوخ بالمطبوخ، والمشوي بمثله جائز مثلا بمثل.

                                                                                                                                                                                        وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد; لأن يابسه يختلف، ولا في المشوي بالمشوي; لأنه لا يعتدل .

                                                                                                                                                                                        وبيع أحدهما بالآخر وبالنيء مثلا بمثل لا يجوز; لأنه رطب بيابس، وهذا إذا كان لا أبزار فيهما ، فإن كان الأبزار في أحدهما جاز مثلا بمثل ومتفاضلا.

                                                                                                                                                                                        قال ابن حبيب: وذلك إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها المنفعة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا.

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم في قلية اللحم بالعسل وقلية بخل ولبن: لا يجوز التفاضل فيه; لأنه مطبوخ كله. يريد: إذا تعاوضا اللحم باللحم خاصة، وإن أدخل الأوداك في المعاوضة جرى على الخلاف في بيع قمح ودقيق بقمح ودقيق.

                                                                                                                                                                                        والقياس أن يجوز التفاضل بين قلية العسل والخل; لأن الأغراض بينهما متباينة.

                                                                                                                                                                                        قال محمد: لا بأس بالأرز المطبوخ بالهريسة مثلا بمثل، ولا يصلح [ ص: 3130 ] الفضل بينهما .

                                                                                                                                                                                        قال أصبغ: وهو مثل عجينهما لا يصلح إلا بالتحري . يريد إذا طبخ الأرز باللحم والأرز والقمح وإن كانا صنفين فالأصل: يجوز التفاضل بينهما، فإذا صارا إلى هذه الصفة تقاربت منفعتهما، فلم يجز التفاضل وجاز بيع كل واحد منهما متفاضلا. والقمح بالهريسة، والأرز غير مطبوخ بالمطبوخ; لأن إضافة اللحم إلى أحدهما تخرجه عن أصله; لأنه نقله عن طعمه، كإضافة الأبزار إلى اللحم، ويجوز بيعه بما لم يطبخ وبما طبخ بغير أبزار متفاضلا.

                                                                                                                                                                                        ويجوز بيع الهريسة بالخبز متفاضلا كان فيها لحم أو لم يكن; لأن كون اللحم فيه صنعة، وصنعته غير صنعة الخبز، وإن لم يكن فيها لحم جاز، كما أجزنا القمح بالهريسة.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية