الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أَصْلًا، بَلِ الْعَقْلِيَّاتُ الَّتِي عَارَضَتْهَا هَذِهِ السَّمْعِيَّاتُ هِيَ مَنْ جِنْسِ شُبَهِ السُّوفُسْطَائِيَّةِ، الَّتِي هِيَ أَوْهَامٌ وَخَيَالَاتٌ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ، وَكُلُّ مَنْ قَالَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا لِغَيْرِهِ، أَوْ ظَانًّا فِي نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَمَنْ رَجَعَ فِي مُقَدِّمَاتِهَا إِلَى الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ وَاعْتَبَرَ تَأْلِيفَهَا، لَمْ يَجِدْ فِيمَا يُعَارِضُ السَّمْعِيَّاتِ بُرْهَانًا مُؤَلَّفًا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ يَقِينِيَّةٍ تَأْلِيفًا صَحِيحًا، وَجُمْهُورُ مَنْ تَجِدُهُ يُعَارِضُ بِهَا أَوْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، إِذَا بَيَّنْتَ لَهُ فَسَادَهَا، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَالِالْتِبَاسِ، قَالَ: هَذِهِ قَالَهَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَكَانُوا فُضَلَاءَ، فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذَا؟ فَيَنْتَهُونَ بَعْدَ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ كَلَامِ الْمَعْصُومِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَمُخَالَفَةِ عُقُولِ بَنِي آدَمَ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، إِلَى تَقْلِيدِ رِجَالٍ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْقَضَايَا عَقْلِيَّةٌ بُرْهَانِيَّةٌ، وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ رِجَالٌ آخَرُونَ مِنْ جِنْسِهِمْ، مِثْلُهُمْ وَأَكْثَرُ مِنْهُمْ، وَعَامَّةُ مَنْ تَجِدُهُ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى فَلْسَفَةٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ تَصَوُّفٍ أَوْ فِقْهٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إِذَا عَارَضَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ بُرْهَانٌ قَطْعِيٌّ، وَدَلِيلٌ عَقْلِيٌّ، وَقِيَاسٌ مُسْتَقِيمٌ، وَذَوْقٌ صَحِيحٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ إِذَا حَاقَقْتَهُ وَجَدْتَّهُ يَنْتَهِي إِلَى تَقْلِيدٍ لِمَنْ عَظَّمَهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْأَتْبَاعِ، أَوْ إِلَى مَا افْتَرَاهُ هُوَ - أَوْ تَوَهَّمَهُ - إِنْ كَانَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ، وَلِلطَّائِفَتَيْنِ نَصِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي أَشْبَاهِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [سُورَةَ الْبَقَرَةِ: 165-167] . وَقَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [سُورَةَ الْفَرْقَانِ: 27-29] . وَقَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [سُورَةَ الْأَحْزَابِ: 66-68] . وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [سُورَةَ غَافِرٍ: 47-48] .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية