الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَدَّعِي التَّعَارُضَ بَيْنَهُمَا كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِدْلَالَ بِطَرِيقَةِ حُدُوثِ الْأَعْرَاضِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَتْبَاعِهِ. فَهَؤُلَاءِ مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَعْقُولَةَ لَهُمْ مُنَاقِضَةٌ لِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، سَوَاءٌ قَالُوا: إِنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَتْبَاعِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ أَوْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يُوَافِقُ الْأَشْعَرِيَّ وَالرَّازِيَّ. وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى [أَنَّ] تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَّا إِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ تَقْدِيمَ النَّقْلِ عَلَى الْعَقْلِ الْمُعَارِضِ لَهُ يَقْدَحُ فِي الْعَقْلِ الَّذِي بِهِ عِلْمُ صِحَّةِ السَّمْعِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنَ الدِّينِ، مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنَ الْعَادَةِ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ وَعَلِمُوا صِدْقَهُ، لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُمْ مَوْقُوفًا عَلَى هَذِهِ الْقَضَايَا. وَمِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْفَرِيقَانِ أَنْ يُقَالَ: أَهْلُ الْعُقُولِ الَّذِينَ سَمِعُوا الْقُرْآنَ، وَالْكُفَّارُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْعُصُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ طَعَنَ فِيهِ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ مُخَالَفَةَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي عُقُولِ بَنِي آدَمَ، لَمْ يُمْكِنْ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي طَبَقَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَظَهَرَ وَلِيُّهُ عَلَى عَدُوِّهِ بِالْحُجَّةِ الْبَاهِرَةِ وَالسَّيْفِ الْقَاهِرِ، وَفِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ مَا يُنَاقِضُ أَخْبَارَهُ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْعُقَلَاءِ يَتَفَطَّنُ لِذَلِكَ: لَا عَلَى وَجْهِ الطَّعْنِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْكَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْعَقْلِيَّاتِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِأَشْرَفِ الْمَطَالِبِ، وَالْعِلْمُ بِهِ الَّذِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ عَلَى طَلَبِ مَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى السَّلْبِ طُرُقًا صَحِيحَةً تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، لَكَانَ مَعَ الدَّاعِي التَّامِّ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا، فَإِنَّهُ مَعَ كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَظْهَرَ هَذِهِ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَقْلًا وَدِينًا. فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِفَسَادِهَا، وَأَنَّهُمْ لِصِحَّةِ عُقُولِهِمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهَا، كَمَا يَعْتَقِدُوا مَذْهَبَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالرَّافِضَةِ الْغَالِيَةِ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي يُعْلَمُ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَاطِلَ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْدُودٌ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ كُلُّ بَاطِلٍ، وَأَنْ يَرُدُّوهُ فَإِنَّ هَذَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا هُوَ حَقٌّ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْعُصُورَ الْفَاضِلَةَ، مَعَ كَثْرَةِ أَهْلِهَا وَفَضْلِهِمْ عَقْلًا وَدِينًا، لَمْ يَعْلَمُوهَا وَلَمْ يَقُولُوهَا. فَعُلِمَ بِذَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَارَضَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَقِرَّةٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، بَلْ هِيَ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي تَنْفَقُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ دُونَ طَائِفَةٍ، كَمَا نَفَقَتْ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ دُونَ جُمْهُورِ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ. وَلِهَذَا كَانَ أَعْظَمُ نَفَاقِهَا عَلَى أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَعْظَمِهِمْ تَكْذِيبًا بِالْحَقِّ وَتَصْدِيقًا بِالْبَاطِلِ، مِنَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالْحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية