الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَذَلِكَ النَّاظِرُونَ - أَهْلُ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ - مَا يَكَادُ يَغْلَطُ غَالِطٌ مِنْهُمْ، إِلَّا وَيَعْرِفُ النَّاسُ غَلَطَهُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْجَهْمِيَّةُ النُّفَاةُ الْمُعَطِّلَةُ قَلَبُوا حَقَائِقَ الْأَدِلَّةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّ مَعَهُمْ دَلَالَاتٍ عَقْلِيَّةً تَعَارِضُ الْآيَاتِ السَّمْعِيَّةِ، فَحَرَّفُوا الْآيَاتِ وَبَدَّلُوهَا بِالتَّأْوِيلِ، بَعْدَ أَنْ أَفْسَدُوا الْعُقُولَ بِزُخْرُفِ الْأَبَاطِيلِ. قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سُورَةَ الْأَنْعَامِ: 112-115] . فَإِذَا رَأَيْتَ الدَّلَائِلَ الْيَقِينِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ لَا يُنَاقِضُ الْعُقُولَ، بَلْ يُوَافِقُهَا، وَأَنَّ مَا ادَّعَاهُ النُّفَاةُ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْبُرْهَانِ لِمَدْلُولِ الْقُرْآنِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، فَلَا تَعْجَبُ مِنْ كَثْرَةِ أَدِلَّةِ الْحَقِّ، وَخَفَاءٍ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرِينَ، فَإِنَّ دَلَائِلَ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَقُلْ لِهَذِهِ الْعُقُولِ الَّتِي خَالَفَتِ الرَّسُولَ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ: كَادَهَا بَارِيهَا، وَاتْلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [سُورَةَ الْأَحْقَافِ: 26] . وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مُوسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَأَمْثَالَهُمَا، كَانُوا مِنْ أَكْمَلِ النَّاسِ مَعْرِفَةً وَخِبْرَةً وَعَقْلًا بِاتِّفَاقِ مَنْ آمَنَ بِهِمْ وَمَنْ كَفَرَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ بِهِمْ يَقُولُ: كَانُوا مِنْ أَدْهَى النَّاسِ وَأَخْبَرِهِمْ بِالْأُمُورِ، وَأَعْرَفِهِمْ بِالطُّرُقِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا الْمَقَاصِدُ، وَالْأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الْمُرَادَاتُ، فَسَعَوْا فِيمَا يُصَدِّقُهُمْ بِهِ النَّاسُ، وَيُطِيعُونَهُمْ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ وَالذَّكَاءِ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ بِهِمْ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَصَّهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ، بِمَا لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ لَوْ وُزِنَ عَقْلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَقْلِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ يُصَدِّقُونَهُ وَيُطِيعُونَهُ، يَذْكُرُ لَهُمْ مَا يُوجِبُ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ تَكْذِيبَهُ وَمَعْصِيَتَهُ، وَالْقَدْحَ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَمُعَارَضَتَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ الْمَعْرُوفُ مِمَّا أَخْبَرُوا بِهِ النَّاسَ مُنَاقِضًا لِصَرِيحِ الْعَقْلِ. وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَقَدْ وَصَفَهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ الْعَقْلِ وَفَسَادِهِ، بِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَسَادِهِ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَأَظْهَرُوهُ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَرِيحِ الْعَقْلِ، فَقَدْ سَعَوْا فِيمَا بِهِ يُكَذِّبُهُمُ الْمُكَذِّبُ، وَيَرْتَابُ الْمُصَدِّقُ، وَيَسْتَطِيلُ بِهِ أَعْدَاؤُهُمْ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ، فَيَكُونُ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي الرَّيْبِ وَالِاضْطِرَابِ، وَأَعْدَاؤُهُمْ قَدْ فَوَّقُوا إِلَيْهِمُ النُّشَّابَ، وَحَزَّبُوا عَلَيْهِمُ الْأَحْزَابَ، وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ بَلْ يَطْلُبُونَ الْإِعْرَاضَ عَنْ سَمَاعِهِ، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ اسْتِمَاعِهِ، وَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ عَقْلًا. وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَرْضِ كَامِلِي الْعُقُولِ وَالْمَعْرِفَةِ، بَلْ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا وَمَعْرِفَةً، تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّينَ، الَّذِي أَظْهَرُوهُ وَبَيَّنُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ وَوَصَفُوهُ، لَمْ يَكُنْ عَنْهُمْ مُنَاقِضًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَلَا مُنَافِيًا لِحَقٍّ مَقْبُولٍ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا كُلُّ كَاذِبٍ جَهُولٍ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَهَرَ وَانْتَشَرَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ تَبْدِيلِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَحْرِيفِهِمْ، وَمَا أَظْهَرَ مِنْ عُيُوبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ، وَتَنْزِيهُهُ لِلَّهِ عَمَّا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ: 181] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [سُورَةَ الْمَائِدَةِ: 64-65] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [سُورَةَ ق: 38] . وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَالْإِعْيَاءِ، فَالْإِعْيَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَجْزِ الْمُنَافِي لِكَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَالْفَقْرُ مِنْ جِنْسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغَيْرِ الْمُنَافِي لِكَمَالِ الْغِنَى، وَالْبُخْلُ مِنْ جِنْسِ مَنْعِ الْخَيْرِ وَكَرَاهَةِ الْعَطَاءِ، الْمُنَافِي لِكَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَالْغِنَى عَنِ الْغَيْرِ مُسْتَلْزَمٌ سَائِرَ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْفَاعِلَ إِذَا كَانَ عَاجِزًا لَمْ يَفْعَلْ، وَإِذَا كَانَ قَادِرًا وَلَمْ يُرِدْ فِعْلَ الْخَيْرِ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإِذَا كَانَ قَادِرًا مُرِيدًا لَهُ فَعَلَ الْخَيْرَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى غَيْرِهِ، كَانَ مُعَاوِضًا لَا مُحْسِنًا مُتَفَضِّلًا، وَكَانَ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا غَنِيًّا عَنِ الْغَيْرِ، لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَهَذَا غَايَةُ الْكَمَالِ. وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ عَمَّا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى مِنَ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ [سُورَةَ النِّسَاءِ: 171] . وَقَالَ تَعَالَى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [سُورَةَ الْمَائِدَةِ: 17] . وَقَالَ تَعَالَى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سُورَةَ الْمَائِدَةِ: 73-74] . ثُمَّ إِنَّهُ جَمَعَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي قَوْلِهِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [سُورَةَ التَّوْبَةِ: 30] . وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِمَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِالْقُرْآنِ أَنَّ جُمْهُورَ الْيَهُودِ لَا تَقُولُ: إِنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، كَمَا قَدْ نُقِلَ أَنَّهُ قَالَهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَا، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ. وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّ قَائِلِي ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ قَلِيلٌ، وَلَكِنَّ الْخَبَرَ عَنِ الْجِنْسِ. كَمَا قَالَ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ: 173] ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ هَذَا الْكُفْرَ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَعَابَهُ بِهِ، فَلَوْلَا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَقُولُ النُّفَاةُ إِنَّهَا تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ مَا تُنْكِرُهُ النُّفَاةُ وَتُسَمِّيهِ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا، بَلْ فِيهِ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ وَتَكَلُّمُ اللَّهِ بِالصَّوْتِ، وَخَلْقُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا مِمَّا كَذَّبَتْهُ الْيَهُودُ وَبَدَّلَتْهُ، كَانَ إِنْكَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ مُوَافِقٌ لِلْمَنْصُوصِ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَإِنَّكَ تَجِدُ عَامَّةَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالْأَحَادِيثُ فِي الصِّفَاتِ مُوَافِقًا مُطَابِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ قُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ تَوَافُقُ الْمُخْبِرِينَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ. وَمُوسَى لَمْ يُوَاطِئْ مُحَمَّدًا، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، وَصِدْقِ الْكِتَابَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ. وَقُلْنَا: إِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، اللَّذَيْنِ هُمَا وَأَمْثَالُهُمَا أَكْمَلُ الْعَالَمِينَ عَقْلًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَشْكِلَ ذَلِكَ وَلَيُّهُمَا الْمُصَدِّقُ، وَلَا يُعَارَضُ بِمَا يُنَاقِضُهُ عَدُوُّهُمَا الْمُكَذِّبُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ إِقْرَارَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ كَذِبَهُمْ فِيهِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا كَذَّبُوهُ وَافْتَرَوْهُ عَلَى مُوسَى مَعَ أَنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ، فَإِنَّ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَلَيْسَ لِأُمَّةٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ مُنْتَشِرَةٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، غَرَضٌ فِي أَنْ تَكْذِبَ عَلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ، بِمَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَتُبَيِّنُ فَسَادَ أَقْوَالِهِ، وَلَكِنْ لَهُمْ غَرَضٌ فِي أَنْ يَكْذِبُوا كَذِبًا يُقِيمُونَ بِهِ رِيَاسَتَهُمْ وَبَقَاءَ شَرْعِهِمْ، وَالْقَدَحَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مَنْ يَنْسَخُ شَيْئًا مِنْهَا، كَمَا لَهُمْ غَرَضٌ فِي الطَّعْنِ عَلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، فَإِذَا قَالُوا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقَدْحِ فِي عِيسَى وَمُحَمَّدٍ كَانَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ مُمْكِنًا، فَأَمَّا إِذَا قَالُوا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقَدْحِ فِي مُوسَى فَيَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ يَقْدَحُ فِي مُوسَى، كَمَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُ النَّصَارَى عَلَى مَا يَعْلَمُونَ انْهُ قَدْحٌ فِي الْمَسِيحِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى خَطَإٍ، لَكِنْ يُعْلَمُ بِمُطَّرِدِ الْعَادَاتِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ قَدْحٌ فِي نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مُبْغِضٌ لَهُ مُكَذِّبٌ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى بُغْضِ مُوسَى وَتَكْذِيبِهِ، وَلَا اتَّفَقَتِ النَّصَارَى عَلَى بُغْضِ الْمَسِيحِ وَتَكْذِيبِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَّفِقَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بُغْضِ مُحَمَّدٍ وَتَكْذِيبِهِ، وَإِذَا اتَّفَقَتْ طَائِفَةٌ عَلَى بُغْضِهِ وَتَكْذِيبِهِ، مِثْلَ غَالِيَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالْخُرَّمِيَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَقَدِ انْكَشَفَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - أَمْرُهُمْ، وَانْهَتَكَ سِتْرُهُمْ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية