الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَبَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ الْمُعَطِّلَةَ، وَالنَّصَارَى الْحُلُولِيَّةَ، ضَلُّوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ النُّفَاةَ يُشَبِّهُونَ الْخَالِقَ تَعَالَى بِالْمَخْلُوقِ فِي صِفَاتِ النَّقْصِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ وَصَفُوهُ بِالنَّقَائِصِ، وَكَذَلِكَ الْجَهْمِيَّةُ النُّفَاةُ إِذَا قَالُوا: هُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُحِبُّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ نَفْيِهِمْ. وَالْحُلُولِيَّةُ يُشَبِّهُونَ الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ، فَيَصِفُونَهُ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ، كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْحُلُولِ، كَحُلُولِيَّةِ الْجَهْمِيَّةِ: مِثْلَ صَاحِبِ "الْفُصُوصِ" وَغَيْرِهِ، قَالُوا: (أَلَا تَرَى الْحَقَّ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِصِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ؟ أَلَا تَرَى الْمَخْلُوقَ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْحَقِّ فَهِيَ كُلُّهَا صِفَاتٌ لَهُ. كَمَا أَنَّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ حَقُّ اللَّهِ) . فَهُمْ يَصِفُونَ الْمَخْلُوقَ بِكُلِّ مَا يُوَصَفُ بِهِ الْخَالِقُ، وَيَصِفُونَ الْخَالِقَ بِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، فَإِنَّ الْوَحْدَةَ وَالِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ الْعَامَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَلَفْظُ (الْكَلَامِ) مِثْلُ لَفْظِ: الرَّحْمَةِ، وَالْأَمْرِ، وَالْقُدْرَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا فِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ مَصَادِرَ، وَمِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ لَفْظَ الْمَصْدَرِ يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الْمَفْعُولِ كَثِيرًا، كَمَا يَقُولُونَ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [سُورَةَ لُقْمَانَ: 11]: أَيْ مَخْلُوقُهُ؟. فَالْأَمْرُ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [سُورَةَ طه: 93] ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [سُورَةَ النُّورِ: 63] ، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ [سُورَةَ الطَّلَاقِ: 5]. وَيُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [سُورَةَ الْأَحْزَابِ: 38] ، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [سُورَةَ النَّحْلِ: 1] ، فَالْأَوَّلُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ، وَالثَّانِي مَفْعُولُ ذَلِكَ وَمُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ (الرَّحْمَةِ) يُرَادُ بِهَا صِفَةُ اللَّهِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اسْمُهُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [سُورَةَ غَافِرٍ: 7] ، وَيُرَادُ بِهَا مَا يَرْحَمُ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ . وَقَوْلِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: يَقُولُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَيَقُولُ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي . وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ يُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [سُورَةَ الْأَنْعَامِ: 115] ، وَقَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ [سُورَةَ الْفَتْحِ: 15]. وَيُرَادُ بِهِ مَا فَعَلَ بِالْكَلِمَةِ، كَالْمَسِيحِ الَّذِي قَالَ لَهُ (كُنْ) فَكَانَ، فَخَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ الْمَعْرُوفِ فِي [الْآدَمِيِّينَ، فَصَارَ مَخْلُوقًا بِمُجَرَّدِ الْكَلِمَةِ دُونَ] جُمْهُورِ الْآدَمِيِّينَ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، فَصَارَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَخْلُوقًا بِمُجَرَّدِ الْكَلِمَةِ دُونَ سَائِرِ الْآدَمِيِّينَ. وَفِي هَذَا الْبَابِ، بَابِ الْمُضَافَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ضَلَّتْ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ جَعَلَتْ جَمِيعَ الْمُضَافَاتِ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةَ خَلْقٍ وَمِلْكٍ، كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، حَتَّى ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَأَمْثَالُهُمَا، إِذَا مَالُوا إِلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ، وَقَالُوا: هَذِهِ آيَاتُ الْإِضَافَاتِ لَا آيَاتُ الصِّفَاتِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِـ "نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ"، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "مِنْهَاجِ الْوُصُولِ" وَغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ وَافَقُوا الْجَهْمِيَّةَ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَإِنْ كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إِلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ. وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ جَمِيعَ الْمُضَافَاتِ إِلَيْهِ إِضَافَةَ صِفَةٍ، وَيَقُولُونَ بِقِدَمِ الرُّوحِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ رُوحِ الْعَبْدِ، لِقَوْلِهِ: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [سُورَةَ الْحِجْرِ: 29]، وَهُمْ مِنْ جِنْسِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ رُوحَ عِيسَى مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، كَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ وَجَيْلَانَ، وَأَتْبَاعِ الشَّيْخِ عَدِيٍّ وَغَيْرِهِمْ. وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ تَقِفُ فِي رُوحِ الْعَبْدِ: هَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ أَمْ لَا؟ وَهُمْ مُنْتَسِبُونَ إِلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ فِي الْمُضَافَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالرُّوحِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَيَطْرُدُونَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ الرَّدَّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ الطَّائِفَتَانِ أَيْضًا يَضِلُّونَ فِي الْمُضَافِ بِمِنْ، فَإِنَّ الْمَجْرُورَ بِالْإِضَافَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُضَافِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [سُورَةَ السَّجْدَةِ: 13]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَرُوحٌ مِنْهُ [سُورَةَ النِّسَاءِ: 171]، فَالطَّائِفَتَانِ يَجْعَلُونَ الْقَوْلَ مِنْهُ كَالرُّوحِ مِنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ النُّفَاةُ: وَالرُّوحُ مَخْلُوقَةٌ بَائِنَةٌ عَنْهُ، فَالْقَوْلُ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنْهُ، وَيَقُولُ الْحُلُولِيَّةُ: الْقَوْلُ صِفَةٌ لَهُ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ، فَالرُّوحُ الَّتِي مِنْهُ صِفَةٌ لَهُ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ: أَنَّ الْمُضَافَ إِذَا كَانَ مَعْنًى لَا يَقُومُ يِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى قَائِمًا بِهِ، وَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ إِضَافَتُهُ إِضَافَةَ مَخْلُوقٍ مَرْبُوبٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُضَافُ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا كَعِيسَى وَجِبْرِيلَ وَأَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ صِفَةً لِغَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [سُورَةَ مَرْيَمَ: 17]، وَقَوْلُهُ فِي عِيسَى: وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سُورَةَ الْإِسْرَاءِ: 85]، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الْأَعْيَانَ الْمُضَافَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَلَقَهَا وَأَبْدَعَهَا، فَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، كَقَوْلِهِمْ: سَمَاءُ اللَّهِ، وَأَرْضُ اللَّهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقِينَ عِبَادُ اللَّهِ، وَجَمِيعُ الْمَالِ مَالُ اللَّهِ، وَجَمِيعُ الْبُيُوتِ وَالنُّوقِ لِلَّهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنًى يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ، كَمَا خَصَّ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ بِعِبِادَةٍ فِيهِ لَا تَكُونُ فِي غَيْرِهِ، وَكَمَا خَصَّ الْمَسَاجِدً بِأَنْ يُفْعَلَ فِيهَا مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَأَنْ تُصَانُ عَنِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا فَضْلًا عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ. وَكَمَا يُقَالُ عَنْ مَالِ الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ: هُوَ مَالُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَعِبَادُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوا أَمْرَهُ. فَهَذِهِ إِضَافَةٌ تَتَضَمَّنُ أُلُوهِيَّتَهُ وَشَرْعَهُ وَدِينَهُ، وَتِلْكَ إِضَافَةٌ تَتَضَمَّنُ رُبُوبِيَّتَهُ وَخَلْقَهُ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ الْعَامَّةُ لَا تَتَضَمَّنُ إِلَّا خَلْقَهُ وَرُبُوبِيَّتَهُ. وَكَذَلِكَ كَلِمَاتُهُ نَوْعَانِ: كَلِمَاتُهُ الدِّينِيَّةُ الْمُتَضَمِّنَةُ شَرْعَهُ وَدِينَهُ كَالْقُرْآنِ. وَكَلِمَاتُهُ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي بِهَا كَوَّنَ الْكَائِنَاتِ. وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، فَإِنَّ كَلِمَاتِهِ الَّتِي بِهَا كَوَّنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، بِخِلَافِ كَلِمَاتِهِ الَّتِي شَرَعَ بِهَا دِينَهُ فَإِنَّ الْفُجَّارَ عَصَوْهَا، كَمَا عَصَاهَا إِبْلِيسُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُضِيفُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ شَيْئًا إِضَافَةَ تَخْصِيصٍ إِلَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِأَمْرٍ يُوجِبُ الْإِضَافَةَ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا وَمَمْلُوكًا لَا يَجِبُ أَنْ يُخَصَّ بِالْإِضَافَةِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِ النُّفَاةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [سُورَةَ ص: 75]، مِنَ الْأَقْوَالِ مَا لَا اخْتِصَاصَ لِآدَمَ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: بِقُدْرَتِهِ، أَوْ بِنِعْمَتِهِ، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى: خَلَقْتُهُ أَنَا، أَوْ أَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ تَخْصِيصٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَالْبَهَائِمِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ لِآدَمَ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ مَالَا يَثْبُتُ لِهَؤُلَاءِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية