الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
دَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّا إِذَا تَأَمَّلْنَا أَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ تَرْكُ التَّقْلِيدِ فِيهِ، وَجَدْنَاهُ سَهْلًا فِي مَأْخَذِهِ، قَرِيبًا فِي تَنَاوُلِهِ، تَشْتَاقُ النُّفُوسُ إِلَيْهِ بِأُنْسِهَا، وَيَسْتَنِدُ ذَلِكَ إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالْعَقْلِ، وَلِأَجْلِ هَذَا ادَّعَى خُصُومُنَا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَجَبَتْ بِالْعَقْلِ، وَالْعَوَامُّ عُقَلَاءُ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ شَرْعًا وَعَقْلًا: أَمَّا الشَّرْعُ فَلَا يُكَلِّفُ إِلَّا عَاقِلًا، وَهُوَ تَسْلِيمُ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ لِرُشْدِهِمْ، وَلَا رَشِيدَ إِلَّا عَاقِلٌ. وَأَمَّا طَرِيقُ الْعَقْلِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَدْبِيرِهِمْ، وَتَدْقِيقِ حِيَلِهِمْ، وَخَفِيِّ مَكْرِهِمْ، فِي تَقَاسِيمِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَقَدْ سَطَّرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كُتُبًا، وَصَنَّفُوا فِيهَا مِنْ فُنُونِ الْمَكْرِ وَالْحِيَلِ، وَتَدْقِيقِ الْآرَاءِ فِي أَنْوَاعِ التَّدْبِيرِ مَا فِيهِ غُنْيَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَدِلَّةَ ذَلِكَ جَلِيَّةٌ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْإِيضَاحِ وَالْكَشْفِ، حَتَّى تَجِدَ النُّفُوسَ بِهَا مُسْتَأْنِسَةً، وَذَلِكَ مِثْلَمَا يَسْتَدِلُّ الْعَامِّيُّ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّ لَهُ خَالِقًا، فَيَعْلَمُ عِنْدَ تَأَمُّلِ نَفْسِهِ أَنَّهُ جِسْمٌ مَجْمُوعٌ مَفْعُولٌ مَصْنُوعٌ، وَهُوَ عَاجِزٌ فِي نَفْسِهِ عَنْ صُنْعِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَيْسَرُهَا: أَنَّ الصَّانِعَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمَصْنُوعَاتِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَاسْتَوَى الْعَالَمُ كُلُّهُ عِنْدَهُ فِي أَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِي صِفَاتِ نَفْسِهِ، اقْتَضَى ذَلِكَ إِثْبَاتَ صَانِعٍ آخَرَ، يُخَالِفُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجَمْعِ لِحَقِيقَةِ الْوَحْدَةِ، وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ شَرْطُ السَّبْقِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ. وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ عَجَزُوا فِي بَعْضِهِ عَنِ الْإِفْصَاحِ بِشَرْحِهِ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَهْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، عَلَى وَجْهٍ يَزُولُ عَنْهُ الشَّكُّ، وَيَبْعُدُ فِيهِ الرَّيْبُ، وَيَسْتَضِيءُ بِهِ الْعَقْلُ، وَتَثِقُ بِهِ النَّفْسُ. وَهَذَا سَهْلٌ لَا تَقْصُرُ الْعَامَّةُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَلِهَذَا قَضَيْنَا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَهَذَا جَلِيٌّ وَاضِحٌ. وَلِكَوْنِهِ حَقًا فِي نَفْسِهِ، صَحِيحًا فِي مَعْنَاهُ، سَوَّى اللَّهُ فِي أَحْكَامِهِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ، فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَى حُكْمِ الْقَبُولِ فِي الْمَعْقُودِ مِنَ الْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ، وَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، وَالْغَسْلِ وَالتَّكْفِينِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ، وَالتَّوَارُثِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ يُوجِبُ لَهُمُ الْقَضَاءَ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ) . قَالَ: (وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ، أَوِ الْعِلْمُ بِالْمَعْلُومِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا وَصَلَ صَاحِبُهُ إِلَى الْيَقِينِ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا [عَلَى] بَصِيرَةِ دَلِيلٍ يَكْشِفُهُ، وَلَا عَلَى دَفْعِ شُبْهَةٍ يُحِلُّهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ فِيمَا عَلِمَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ، فِيمَا عِنْدَهُ شَكٌّ، مَا يُوجِبُ نَقْلَتَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الشُّكُوكِ، مَا يُزِيلُ الثِّقَةَ بِمَا عِنْدَهُ. وَمَنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَعْرِفَةِ، وَتَجْوِيزُ النُّقْصَانِ فِي هَذَا يُوجِبُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَا مِثْلُهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا فِي مَقْصُودِهِ، شَافِيًا فِي مُرَادِهِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ لَا تَدْخُلُهَا التَّجْزِئَةُ، فَيَثْبُتُ مِنْهَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ. فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ الْعَامَّةِ، فَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَنْ لَيْسَ بِعَارِفٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ تَسْمِيَةُ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ ذَلِكَ) . قَالَ: (وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، هُوَ جَوَابٌ عَمًّا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَضَافَ مَا عَلِمَهُ إِلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ لَا يَفْسُدُ، وَقَدِ اسْتَحْكَمَتْ ثِقَةُ الْمُعْتَرِفِ بِهِ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ، لَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ، وَلَا يَدْخُلُهُ نَقْصٌ، وَاتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَمَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي مَقَامِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ، فَقَدِ اسْتَحْكَمَتْ ثِقَتُهُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُهُ وَتَجْرِبَتُهُ. وَالثَّانِي: اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمِلَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَارِضُهُ شَكٌّ يُخْرِجُ الْمُتَمَسِّكَ بِهِ عَنِ الثِّقَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْعَامَّةِ عُمُومًا، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مَبْنِيٍّ مَجْمُوعٍ مُحْدَثٍ، كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيُتَوَهَّمُ نَقْضُهُ، كَمَا يَتَحَقَّقُ بِنَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَيْسَ بِفَاعِلِ نَفْسِهِ، وَلَا فَعَلَهُ مِثْلُهُ، وَيَتَحَقَّقُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَاعِلِ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْمَفْعُولِ، فَإِذَا تَسَاوَتِ الْأَجْسَامُ فِي هَذَا، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ لَهَا غَيْرُهَا، وَهُوَ مَنْ لَا يُشَارِكُهَا فِيمَا أَوْجَبَ لَهَا الْعَجْزَ، وَهَذَا جَلِيٌّ وَاضِحٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَلَا تُقَابِلُهُ شُبْهَةٌ تُؤَثِّرُ فِيمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْعَالِمِ بِهِ. وَهَذَا كَافٍ لَا يَقْصُرُ عَنْهُ عَامِّيٌّ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ عَالِمٌ، إِلَّا بِتَحْسِينِ الْعِبَارَةِ فِيهِ، أَوْ حَذْفِ مَوَادِّ الشُّبْهَةِ عَنْهُ. وَهَذَا أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مِقْدَارِ فَهْمِهِ، وَالثِّقَةِ بِصِحَّتِهِ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ فَرَائِضِ الْكِفَايَاتِ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية