الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قُلْتُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَفَاضَلُ، وَأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهٍ، مَجْهُولًا مِنْ وَجْهٍ. وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ جَهْمِ [بْنِ صَفْوَانَ] وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُرْجِئَةِ. لَكِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ. وَهَذَا يُشْبِهُ تَنَازُعَ النَّاسِ فِي الْعَقْلِ: هَلْ يَتَفَاضَلُ؟ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَتَفَاضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَـ التَّمِيمِيِّ، وَالْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَتَفَاضَلُ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ يُشْبِهُ تَنَازُعَهُمْ فِي أَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ: هَلْ تَكُونُ أَوْجَبَ مِنْ بَعْضٍ؟ فَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ يُنْكِرُونَ التَّفَاضُلَ فِي هَذَا. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يُجَوِّزُونَ التَّفَاضُلَ فِي هَذَا. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَعْيَانِ، أَوْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَاجِبَةٌ، وَالْمَعْرِفَةُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، فَقَوْلُ جُمْهُورِهِمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقُومُ بِالْقَلْبِ، لَا الْعِبَارَةُ عَنْهُ، وَلَا يُوجِبُونَ نَظْمَ الدَّلِيلِ بِالْعِبَارَةِ، وَلَا الْقُدْرَةَ عَلَى جَوَابِ الْمُعَارِضِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِالدَّلِيلِ أَمْرٌ مُتَيَسِّرٌ عَلَى الْعَامَّةِ، وَإِنَّ الْعَامَّةَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ فِي قُلُوبِهِمُ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى نَظْمِ الدَّلِيلِ وَبَيَانِهِ بِالْعِبَارَةِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَامَّةٍ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ عِلْمٍ، وَحُبٍّ وَبُغْضٍ، وَلَذَّةٍ وَأَلَمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي النَّفْسِ، يَعْلَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَلَكِنَّ وَصْفَ ذَلِكَ وَبَيَانَهُ، وَالتَّعْبِيرَ عَنْهُ، شَيْءٌ آخَرُ. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِفَهُ، وَلِهَذَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا مُتَكَلِّمًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ الْكَلَامَ. وَلِهَذَا يُقَالُ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ، فَعِلْمُ الْقَلْبِ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمُ اللِّسَانِ هُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ، وَهُوَ أَقْرَبُ. وَقَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ مُعْطُوهُ، قَلِيلٌ سَائِلُوهُ. وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، كَثِيرٌ سَائِلُوهُ. فَالْفَقِيهُ الَّذِي تَفَقَّهَ قَلْبُهُ، غَيْرُ الْخَطِيبِ الَّذِي يَخْطُبُ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ مِنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، وَلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ مُخَاطِبًا بِذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ يُخَاطِبُ غَيْرَهُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ مَعَارِفَ الْقُلُوبِ وَأَحْوَالِهَا، وَهُوَ عَارٍ عَنْ ذَلِكَ، فَارِغٌ مِنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ: طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الثَّمَرَةِ: طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ: طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا. فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ مُنَافِقٌ، لَيْسَ فِي قَلْبِهِ إِيمَانٌ، وَآخَرَ يَكُونُ مُؤْمِنًا قَلْبُهُ، فِيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ، وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ، مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ، وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا قَالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمَا: تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا إِيمَانًا. وَأَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَتَعَلَّمُونَ الْإِيمَانَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [سُورَةَ الشُّورَى: 52 - 53]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُنْزِلَ الْإِيمَانُ فِي الْقُلُوبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [سُورَةَ الرَّعْدِ: 17]. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا أَنْزَلَهُ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَشَبَّهَ الْقُلُوبَ بِالْأَوْدِيَةِ، وَشَبَّهَ مَا يُخَالِطُ الْقُلُوبَ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبَهَاتِ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفَاءً، يَجْفُوهُ الْقَلْبُ وَيَدْفَعُهُ، وَشَبَّهَ مَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمَاءِ النَّافِعِ بِمَا يَبْقَى فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ النَّافِعِ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةً قَبِلَتِ الْمَاءِ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَشَرِبَ النَّاسُ وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةً إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ: لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ. فَقَسَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فِيمَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، الَّذِي شَبَّهَهُ بِالْغَيْثِ، إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَقِسْمٌ قَبِلُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ فِي نُفُوسِهِمْ عِلْمًا وَعَمَلًا. وَقِسْمٌ حَفِظُوهُ وَأَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِمْ. وَقِسْمٌ ثَالِثٌ لَا هَذَا وَلَا هَذَا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [سُورَةَ الشُّورَى: 52] نَظِيرُ قَوْلِهِ: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سُورَةَ سَبَإٍ: 50]. فَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْهُدَى حَصَلَ بِالْوَحْيِ النَّازِلِ، لَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الْوَحْيِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية