الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَالْخَلِيفَةُ الْحَاكِمُ ، وَسُلْطَانُ الْبِلَادِ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ قَلَاوُونُ . وَفِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ انْعَقَدَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ أَهْلِ عَكَّا وَالْمَرْقَبِ وَالسُّلْطَانِ وَكَانَ نَازِلًا عَلَى الرَّوْحَاءِ ، وَقَدْ قَبَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، وَهَرَبَ آخَرُونَ إِلَى قَلْعَةِ صِهْيَوْنَ إِلَى خِدْمَةِ سُنْقُرَ الْأَشْقَرِ ، وَدَخَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى دِمَشْقَ فِي التَّاسِعِ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ ، فَنَزَلَ الْقَلْعَةَ وَقَدْ زُيِّنَتْ لَهُ الْبَلَدُ ، وَفِي يَوْمِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَعَادَ الْقَضَاءَ إِلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ الصَّائِغِ ، وَعَزَلَ ابْنَ خَلِّكَانَ وَفِي أَوَّلِ صَفَرٍ بَاشَرَ قَضَاءَ الْحَنَابِلَةِ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ شَمْسِ بْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَقَدْ كَانَ الْمَنْصِبُ شَاغِرًا مُنْذُ عَزَلَ وَالِدُهُ نَفْسَهُ عَنِ الْقَضَاءِ ، وَتَوَلَّى قَضَاءَ حَلَبَ فِي هَذَا الشَّهْرِ تَاجُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكُرْدِيُّ . وَجَلَسَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ بِدَارِ الْعَدْلِ فِي هَذَا الشَّهْرِ ، فَحَكَمَ وَأَنْصَفَ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَاحِبُ حَمَاةَ ، فَتَلَقَّاهُ الْمَنْصُورُ بِنَفْسِهِ فِي مَوْكِبِهِ ، وَنَزَلَ بِدَارِهِ بِبَابِ الْفَرَادِيسِ . وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ وَبَيْنَ سُنْقُرَ الْأَشْقَرِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لِلسُّلْطَانِ شَيْزَرَ وَيُعَوِّضَهُ عَنْهَا بِأَنْطَاكِيَةَ وَكَفْرَ طَابَ وَشُغْرٍ وَبَكَاسَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَعَلَى أَنْ يُقِيمَ عَلَى مَا بِيَدِهِ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ ، وَتَحَالَفَا عَلَى ذَلِكَ ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ صَالَحَ صَاحِبَ الْكَرَكِ الْمَلِكَ خَضِرَ بْنَ الظَّاهِرِ عَلَى تَقْرِيرِ مَا بِيَدِهِ ، وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْبِلَادِ . وَفِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ ضُمِنَ الْخَمْرُ وَالزِّنَى بِدِمَشْقَ ، وَجُعِلَ عَلَيْهِ دِيوَانٌ وَمُشِدٌّ ، فَقَامَ فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْعُبَّادِ ، فَأُبْطِلَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَأُرِيقَتِ الْخُمُورُ وَأُقِيمَتِ الْحُدُودُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَفِي تَاسِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَصَلَتِ الْخَاتُونُ ابْنَةُ بَرَكَةَ خَانَ زَوْجَةُ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ ، وَمَعَهَا وَلَدُهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ قَدْ نَقَلَتْهُ مِنْ قَرْيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْكَرَكِ لِتَدْفِنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ بِالتُّرْبَةِ الظَّاهِرِيَّةِ ، فَرُفِعَ بِحِبَالٍ مِنَ السُّورِ ، وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ الظَّاهِرِ ، وَنَزَلَتْ أُمُّهُ بِدَارِ صَاحِبِ حِمْصَ ، وَهُيِّئَتْ لَهَا الْإِقَامَاتُ وَعُمِلَ عَزَاءُ وَلَدِهَا يَوْمَ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِالتُّرْبَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَحَضَرَ السُّلْطَانُ الْمَنْصُورُ وَأَرْبَابُ الدَّوْلَةِ وَالْقُرَّاءُ وَالْوُعَّاظُ . وَفِي أَوَاخِرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ عُزِلَ التَّقِيُّ تَوْبَةُ التَّكْرِيتِيُّ مِنَ الْوِزَارَةِ بِدِمَشْقَ ، وَبَاشَرَهَا بَعْدَهُ تَاجُ الدِّينِ السَّنْهُورِيُّ . وَكَتَبَ السُّلْطَانُ الْمَنْصُورُ إِلَى مِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ يَسْتَدْعِي الْجُيُوشَ لِأَجْلِ اقْتِرَابِ مَجِيءِ التَّتَارِ; فَدَخَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَجِّي وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَجَاءَ صَاحِبُ الْكَرَكِ الْمَلِكُ الْمَسْعُودُ نَجْدَةً لِلسُّلْطَانِ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، وَقِدِمَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَوَفَدُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، وَجَاءَتْهُ التُّرْكُمَانُ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَثُرَتِ الْأَرَاجِيفُ بِدِمَشْقَ ، وَكَثُرَتِ الْعَسَاكِرُ بِهَا ، وَانْجَفَلَ النَّاسُ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي ، وَتَرَكُوا الْغَلَّاتِ وَالْأَمْوَالَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدْهَمَهُمُ الْعَدُوُّ مِنَ التَّتَارِ ، وَوَصَلَتِ التَّتَرُ صُحْبَةَ مَنْكُوتَمُرَ بْنِ هُولَاكُو إِلَى عَيْنِ تَابَ ، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْمَنْصُورَةُ إِلَى نَوَاحِي حَلَبَ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَنَازَلَتِ التَّتَرَ بِالرَّحْبَةِ فِي أَوَاخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ طَائِفَةً مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَكَانَ فِيهِمْ مَلِكُ التَّتَارِ أَبْغَا مُخْتَفِيًا يَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُ أَصْحَابُهُ ، وَكَيْفَ يُقَاتِلُونَ أَعْدَاءَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ مِنْ دِمَشْقَ وَكَانَ خُرُوجُهُ مِنْهَا فِي أَوَاخِرِ جُمَادَى ، وَقَنَتَ الْخُطَبَاءُ وَالْأَئِمَّةُ بِالْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ ، وَجَاءَ مَرْسُومُ السُّلْطَانِ بِاسْتِسْلَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّوَاوِينِ وَالْكَتَبَةِ ، وَمَنْ لَا يُسْلِمُ يُصْلَبُ ، فَأَسْلَمُوا كُرْهًا ، فَكَانُوا يَقُولُونَ : آمَنَّا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِإِسْلَامِنَا . بَعْدَ أَنْ عَرَضَ مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ عَلَى الصَّلْبِ بِسُوقِ الْخَيْلِ ، وَجُعِلَتِ الْحِبَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ، فَأَجَابُوا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، وَلَمَّا انْتَهَى السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ إِلَى حِمْصَ كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ سُنْقُرَ الْأَشْقَرِ يَطْلُبُهُ إِلَيْهِ نَجْدَةً ، فَجَاءَ إِلَى خِدْمَتِهِ ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ وَاحْتَرَمَهُ وَرَتَّبَ لَهُ الْإِقَامَاتِ ، وَتَكَامَلَتِ الْجُيُوشُ كُلُّهَا فِي صُحْبَةِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ عَازِمِينَ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ لَا مَحَالَةَ مُخْلِصِينَ فِي ذَلِكَ ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَلِكِ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ ، وَوَضَعُوا الْمُصْحَفَ الْعُثْمَانِيَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَجَعَلُوا يَبْتَهِلُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَخَرَجُوا كَذَلِكَ وَالْمُصْحَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى يَدْعُونَ وَيَبْتَهِلُونَ وَيَبْكُونَ ، وَأَقْبَلَتِ التَّتَارُ قَلِيلًا قَلِيلًا ، فَلَمَّا وَصَلُوا حَمَاةَ أَحْرَقُوا بُسْتَانَ الْمَلِكِ وَقَصْرَهُ وَمَا هُنَالِكَ مِنَ الْمَسَاكِنِ ، وَالسُّلْطَانُ الْمَنْصُورُ مُخَيِّمٌ بِحِمْصَ فِي عَسَاكِرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَالتُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ جِدًّا ، فَأَقْبَلَتِ التَّتَارُ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ أَوْ يَزِيدُونَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية