الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ ، وَوَجَدَهُمْ قَدْ عَبَدُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ لَهُمْ : يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا . وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْوَعْدِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ وَعَدَهُمْ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ كِتَابًا فِيهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ . وَهَذَا الْوَعْدُ الْحَسَنُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ الْآيَةَ [ 20 80 ] وَفِيهِ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ الِاسْتِفْهَامُ فِيهِ لِلْإِنْكَارِ ، يَعْنِي لَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ . كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ : ( وما بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ ) . لِأَنَّ طُولَ الْعَهْدِ مَظِنَّةُ النِّسْيَانِ ، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ لَمْ يَطُلْ فَكَيْفَ نَسِيتُمْ ؟ وَقَوْلُهُ : أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : " أَمْ " هُنَا هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ ، وَالْمَعْنَى : بَلْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَمَعْنَى إِرَادَتِهِمْ حُلُولَ الْغَضَبِ : أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يَسْتَوْجِبُ غَضَبَ رَبِّهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ . فَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْغَضَبَ لَمَّا أَرَادُوا سَبَبَهُ ، وَهُوَ الْكُفْرُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ . وَقَوْلُهُ : فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي كَانُوا وَعَدُوهُ أَنْ يَتْبَعُوهُ لَمَّا تَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْمِيقَاتِ ، وَأَنْ يَثْبُتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى . فَعَبَدُوا الْعِجْلَ وَعَكَفُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْبَعُوا مُوسَى . فَأَخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِالْكُفْرِ وَعَدَمِ الذَّهَابِ فِي أَثَرِهِ ، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا قَرَأَهُ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ " بِمَلْكِنَا " بِفَتْحِ الْمِيمِ . وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ " بِمُلْكِنَا " بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو " بِمِلْكِنَا " بِكَسْرِ الْمِيمِ . وَالْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِأَنْ مَلَكْنَا أَمَرَنَا ، فَلَوْ مَلَكْنَا أَمْرَنَا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ . وَهُوَ اعْتِذَارٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا أَخْلَفُوا الْمَوْعِدَ بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ عَلَى أَمْرِهِمْ مِنْ جِهَةِ السَّامِرِيِّ وَكَيْدِهِ . وَهُوَ اعْتِذَارٌ بَارِدٌ سَاقِطٌ كَمَا تَرَى ! وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ : إِذَا كَانَ وَجْهُ الْعُذْرِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ فَإِنَّ اطِّرَاحَ الْعُذْرِ خَيْرٌ مِنَ الْعُذْرِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ . لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يَتْبَعُوهُ ، وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ عِبَادَةِ أَكْثَرِهِمْ لِلْعِجْلِ تَأَخَّرُوا عَنِ اتِّبَاعِ مُوسَى بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَجَرَّءُوا عَلَى مُفَارَقَتِهِمْ خَوْفًا مِنَ الْفُرْقَةِ فَالْعُذْرُ لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْقِصَّةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [ 20 92 ] . وَالْمَصْدَرُ فِي قَوْلِهِ بِمَلْكِنَا مُضَافٌ إِلَى فَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : بِمَلْكِنَا أَمْرَنَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَأَنَّهُ قَالَ بِمَلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا . فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ : الزَّمَانُ ، يُرِيدُ مُدَّةَ مُفَارَقَتِهِ لَهُمْ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية