الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      تَنْبِيهٌ . اعْلَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِالْحِجْرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي طَرِيقِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحِجْرِ ، قَالَ : " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ " ، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ " ، هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، أَمَرَهُمْ أَلَّا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا ، فَقَالُوا : قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ ، وَيُهْرِقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ " . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَيُرْوَى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ وَأَبِي الشُّمُوسِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَامِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ " . ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا ، وَاعْتَجَنُوا بِهِ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُهْرِقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِيَارِهِمْ ، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي تَرِدُهَا النَّاقَةُ " . ثُمَّ قَالَ : تَابَعَهُ أُسَامَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ : " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ " ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ . ثُمَّ سَاقَ أَيْضًا بِسَنَدِهِ ، عَنْ سَالِمٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ " ، هَذَا كُلُّهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : أَمَّا حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ سَبْرَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - الْجُهَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ حِينَ رَاحَ مِنَ الْحِجْرِ : " مَنْ كَانَ عَجَنَ مِنْكُمْ مِنْ هَذَا الْمَاءِ عَجِينَةً أَوْ حَاسَ حَيْسًا ; فَلْيُلْقِهِ " ، وَلَيْسَ لِسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الشُّمُوسِ - وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ - ، وَهُوَ بِكْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ - فَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مِنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْهُ ، قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . . . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : فَأَلْقَى ذُو الْعَجِينِ عَجِينَهُ ، وَذُو الْحَيْسِ حَيْسَهُ " . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَزَادَ : " فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَدْ حِسْتُ حَيْسَةً فَأُلْقِمُهَا رَاحِلَتِي ؟ قَالَ : نَعَمْ " . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا : قَوْلُهُ : وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ " وَصَلَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ عَنْهُ : " أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَآتَوْا عَلَى وَادٍ ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُونٍ فَأَسْرِعُوا " وَقَالَ : " مَنِ اعْتَجَنَ عَجِينَةً ، أَوْ طَبَخَ قِدْرًا ; فَلْيَكُبَّهَا " . الْحَدِيثَ . قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [ 15 \ 80 ] ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ : " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ; أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ; لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ " . وَبَعْضُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ ، فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ دِيَارِهِمْ إِلَّا فِي حَالِ الْبُكَاءِ ، وَعَلَى إِسْرَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَاوَزَ دِيَارَهُمْ . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ إِلَّا فِي حَالَةِ الْبُكَاءِ ، وَفِيهَا الْإِسْرَاعُ بِمُجَاوَزَتِهَا ، وَعَدَمُ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ مِيَاهِهَا ، وَعَدَمُ أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي عُجِنَ بِهَا ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِمَائِهَا ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا ; لِأَنَّ مَاءَهَا لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ : " وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُحِلِّ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ - ، قَالَ " كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أَجَازَهُ - أَيْ : تَعَدَّاهُ - " وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : " مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ " . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَسْفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خَسْفٌ وَاحِدٌ . وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ : " نَهَانِي حَبِيبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ ; فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ " فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَاللَّائِقُ بِتَعْلِيقِ الْمُصَنِّفِ مَا تَقَدَّمَ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَسْفِ هُنَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ الْآيَةَ [ 16 \ 26 ] ، ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْأَخْبَارِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى بِبَابِلَ بُنْيَانًا عَظِيمًا ، يُقَالُ : إِنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : " لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ بَابِلَ " انْتَهَى . مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي . وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُعَارِضُهُ مَا رَأَيْتُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الْمَرْفُوعُ ، عَنْ عَلِيٍّ الَّذِي أَشَارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ : أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا هُوَ قَوْلُهُ : " حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ : أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ . فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ : " إِنَّ حَبِيبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ ; فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ " . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ، قَالَ : " فَلَمَّا خَرَجَ - مَكَانَ فَلَمَّا بَرَزَ - اهـ . وَقَدْ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ فِي إِسْنَادَيْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْقَبُولِ ، وَلَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ نَبَّهَ عَلَيْهَا ابْنُ يُونُسَ ، أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْقَبُولِ ; فَلِأَنَّ طَرِيقَتَهُ الْأُولَى أَوَّلُ طَبَقَاتِهَا : سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ ثِقَةً ، وَفِي الثَّانِيَةِ : أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ مَكَانَ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ حَافِظٌ . وَكَلَامُ النَّسَائِيِّ فِيهِ غَلَطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ : وَرُبَّمَا رُدَّ كَلَامُ الْجَارِحِ كَالنَّسَائِيِّ فِي أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ وَسَبَبُ غَلَطِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ كَذَّبَ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ الشُّمُونِيُّ . فَظَنَّ النَّسَائِيُّ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ مَعِينٍ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ هَذَا الَّذِي هُوَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الطَّبَرِيِّ الْمِصْرِيُّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ . وَالطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ فِي كِلَا الْإِسْنَادَيْنِ : ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ : عَبْدَ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ ، مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ عَابِدٌ مَشْهُورٌ . وَالطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ : يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ صَدُوقٌ خَلَطَ بَعْدَ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ اعْتِضَادَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحُسْنِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ابْنُ وَهْبٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، أَعْدَلُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا عَنْهُ . وَالطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ : عَمَّارُ بْنُ سَعْدٍ الْمُرَادِيُّ . وَفِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي : الْحَجَّاجُ بْنُ شَدَّادٍ ، وَعَمَّارُ بْنُ سَعْدٍ الْمُرَادِيُّ ، ثُمَّ السَّلْهَمِيُّ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ شَدَّادٍ الصَّنْعَانِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ ، كِلَاهُمَا مَقْبُولٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ ، وَاعْتِضَادُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحُسْنِ . وَالطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ فِي كِلَا الْإِسْنَادَيْنِ : أَبُو صَالِحٍ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ . وَالطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ فِي كِلَيْهِمَا : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَالَّذِي يَظْهَرُ صَلَاحِيَةُ الْحَدِيثِ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَلَكِنَّهُ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ ، وَهِيَ : أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلَةٌ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى : " بَابُ مِنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ ، " أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورِ آنِفًا بِلَفْظِهِ فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادَيْنِ . ثُمَّ قَالَ : وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُحِلٍّ الْعُمَرِيِّ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَمَرَّ بِنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أَجَازَهُ . وَعَنْ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : " مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " . ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا إِنْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى الصَّلَاةِ ; فَلَوْ صَلَّى فِيهَا لَمْ يُعِدْ ، ثُمَّ سَاقَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْضَ رِوَايَاتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبَّ الْخُرُوجَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَاكِنِ ، وَكَرِهَ الْمُقَامَ فِيهَا إِلَّا بَاكِيًا ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْمُقَامُ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . اهـ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ حَاصِلُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالتَّطَهُّرِ بِمِيَاهِهَا ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَا صَحِيحَةٌ وَالتَّطَهُّرَ بِمَائِهَا مُجْزِئٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا " الْحَدِيثَ . وَكَعُمُومِ الْأَدِلَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ ، وَحُكْمِ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا ، وَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِمَائِهَا ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَرْفُوعِ : أَنَّ حَبِيبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي خَسْفِ بَابِلَ ; لِأَنَّهَا أَرْضٌ مَلْعُونَةٌ . قَالُوا : وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ ; لِأَنَّ مَا نَهَى عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ مِنْ أَمْرِنَا ، وَمَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ . وَاحْتَجُّوا لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ بِمَائِهَا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَهُمَا لَيْسَا بِقُرْبَةٍ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ الطَّهَارَةِ بِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا رُجْحَانُهُ ; أَنَّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْرِعَ فِي سَيْرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ، كَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ صِهْرِهِ ، وَابْنِ عَمِّهِ ، وَأَبِي سِبْطَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - جَمِيعًا ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا بَاكِيًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . فَلَوْ نَزَلَ فِيهَا وَصَلَّى فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ إِذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى بُطْلَانِهَا ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْعِبَادَةِ يَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ قَوِيِّ الْمَتْنِ وَالدَّلَالَةِ . وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية