وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين يعني : أن موسى لما أراد الذهاب لميقات ربه استخلف عليهم أخاه الكبير هارون - عليهما السلام - للحكم بينهم والإصلاح فيهم ؛ إذ كانت الرياسة فيهم لموسى ، وكان هارون وزيره ونصيره ومساعده كما سأل ربه بقوله : واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري ( 20 : 29 - 32 ) وأوصاه بالإصلاح فيهم وفيما بينهم ، ونهاه عن اتباع سبيل المفسدين في الأرض ، والإفساد أنواع بعضها جلي وبعضها خفي ، ومن كل منهما وسيلة ومقصد ، فمنها الحرام البين ، ومنها الذرائع المشتبهات التي يختلف فيها الاجتهاد ، ويأخذ التقي فيها بالاحتياط ، واتباع سبيل المفسدين يشمل مشاركتهم في أعمالهم ، ومساعدتهم عليها ، ومعاشرتهم والإقامة معهم في حال اقترافها ، ولو بعد العجز [ ص: 107 ] عن إرجاعهم عنها ، ومن ذلك ما يجوز وقوعه من الأنبياء عليهم السلام فيصح نهيهم عنه تحذيرا من وقوعهم فيه بضرب من الاجتهاد ، كالذي وقع الاختلاف فيه بين موسى وهارون - عليهما السلام - في قصة عجل السامري الذي حكاه - تعالى - عنه في سورة طه بقوله : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ( 20 : 92 - 94 ) فالرسالة كانت لموسى بالأصالة ، ولهارون بالتبع ؛ ليكون وزيرا لا رئيسا ، وموسى هو الذي أعطي الشريعة ( التوراة ) وكان هارون مساعدا له على تنفيذها في بني إسرائيل ، كما كان مساعدا له على تبليغ فرعون الدعوة ، وإنقاذ بني إسرائيل .
وقد روى الشيخان وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي - كرم الله وجهه - " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ " وذلك أنه استخلفه على المدينة في غزوة تبوك قبل خروجه . فقال : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ؟ فقاله ، وفي رواية لأحمد : أن عليا - رضي الله عنه - قال : رضيت رضيت . وإنما قال في النساء والصبيان ؛ لأنه لم يتخلف عن الخروج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك غير النساء والصبيان ، ومن في حكمهم من ضعيف ومريض إلا من استأذن من المنافقين .
قال القاضي عياض في شرحه لمسلم : هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية ، وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقا لعلي ، وأنه أوصى له بها ، قال : ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره ، وزاد بعضهم فكفر عليا ؛ لأنه لم يقم بطلب حقه ، وهؤلاء أسخف مذهبا ، وأفسد عقلا من أن يرد عليهم . . . . . . إلى آخر ما قال ، وقد ذكرت هذا من قوله لأذكر القارئ بأن هذين الفريقين لم يقولا ما قالا عن اعتقاد ، بل كانوا من جمعيات المجوس ، والسبئيين الذين يبغون الفتنة لإبطال الإسلام ، وإزالة ملك العرب بالشقاق الديني ، وأما الاستخلاف فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلف على المدينة بعض الصحابة كلما خرج إلى غزوة ، ولم يكن يختار أفضلهم لذلك ، وفي الحديث من المنقبة لعلي ما هو فوق استخلافه ، وهو جعله أخا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتضمن ذلك استخلافه بعده - صلى الله عليه وسلم - لأن هارون مات قبل موسى - عليهما السلام - قطعا .
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك أي : ولما جاء موسى للميقات الذي وقتناه له للكلام وإعطاء الشريعة ، وكلمه ربه - عز وجل - من وراء حجاب بغير واسطة الملك استشرفت نفسه الزكية العالية للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية فقال : [ ص: 108 ] رب أرني ذاتك المقدسة بأن تجعل لي من القوة على حمل تجليك ما أقدر به على النظر إليك ورؤيتك ، وكمال المعرفة بك بالقدر الممكن ؛ أي : دون ما هو فوق إمكان المخلوقين من الإدراك والإحاطة المنفي بقوله - تعالى - : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( 6 : 103 ) فيراجع تفسير هذه الآية من سورة الأنعام ( ص543 - 547 ج7 تفسير ط . الهيئة ) .
قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني أي : إنك لا تراني الآن ، ولا فيما تستقبل من الزمان ، ثم استدرك - تبارك وتعالى - على ذلك بما يدل على تعليل النفي ، ويخفف عن موسى شدة وطأة الرد ، بإعلامه ما لم يكن يعلم من سنته ، وهو أنه لا يقوى شيء في هذا الكون على رؤيته ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي موسى عند مسلم حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه فقال : ولكن انظر إلى الجبل ، فإنني سأتجلى له فإن ثبت لدى التجلي بقي مستقرا في مكانه فسوف تراني ، لمشاركتك له في مادة هذا العالم الفاني ، وإذا كان الجبل في قوته ورسوخه لا يثبت ، ولا يستقر لهذا التجلي ؛ لعدم استعداد مادته لقوة تجلي خالقه وخالق كل شيء ، فاعلم أنك لن تراني أيضا ، وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة ، وخاضعا للسنن الربانية في قوتها ، وضعف استعدادها وخلق الإنسان ضعيفا ( 4 : 28 ) وقبولها للفناء .
روى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن قتادة قال : لما سمع الكلام طمع في الرؤية . وروى أبو الشيخ عن ابن عباس قال : حين قال موسى لربه - تبارك وتعالى - : أرني أنظر إليك قال له يا موسى إنك لن تراني قال : يقول ليس تراني لا يكون ذلك أبدا ، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا ، قال موسى : رب أن أراك ثم أموت أحب إلي من ألا أراك ثم أحيا فقال الله : يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد فإن استقر مكانه يقول : فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ، ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمي فسوف تراني أنت لضعفك وذلتك ، وإن الجبل تضعضع ، وانهد بقوته وشدته وعظمه فأنت أضعف وأذل ا هـ .
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا يقال : جلا الشيء والأمر وانجلى وتجلى بنفسه أو بغيره وجلاه فتجلى - إذا انكشف وظهر ووضح بعد خفاء في نفسه ذاتي أو إضافي أو خفاء على مجتليه وطالبه ، ويكون ذلك التجلي والظهور بالذات ، وبغير الذات من صفة أو فعل يزول به اللبس والخفاء ، وفي صيغة التجلي ما ليس في صيغة الجلاء ، والانجلاء من معنى التدريج والكثرة النوعية أو الشخصية . قال - تعالى - : والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ( 92 : 1 ، 2 ) فالليل يغشى النهار ويستره ، ثم يتجلى النهار ويظهر بالتدريج ، وفي الأحاديث أن للرب - تعالى - تجليات مختلفة كما سيأتي .
[ ص: 109 ] والدك : الدق أو ضرب منه ، قال في الأساس : دككته دققته ، ودك الركية كبسها ، وجمل أدك وناقة دكاء : لا سنام لهما ، واندك السنام : افترش على الظهر ، ونزلنا بدكداك : رمل متلبد بالأرض ا هـ ، وأقول : إن الفرق بين الدق والدك كما يؤخذ من الاستعمال العام الموروث عن العرب - أن الدق ما يخبط به الشيء ليتفتت ، ويكون أجزاء دقيقة ومنه الدقيق ، وكان القمح في عصور البداوة الأولى يدق بالحجارة فيكون دقيقا ، ثم اهتدوا إلى الأرحية التي تسحقه وتطحنه ، وأما الدك فهو الهدم والخبط الذي يكون به الشيء المدكوك ملبدا ومستويا ، يقال : أرض مدكوكة ، وطريق مدكوكة ، ودك الحفرة والركية ( أي البئر غير المطوية ) دفنها وطمها ، ولا تزال سلائل العرب تستعمل هذه المادة بهذا المعنى ، ويسمون ما يوضع في الحفرة أو الركية من الحصا والحصباء ؛ لأجل تسويتها " الدكة " . قرأ حمزة والكسائي ( جعله دكاء ) بالمد والتشديد غير منون ؛ أي : أرضا مستوية كالناقة التي لا سنام لها ، والجمهور ( جعله دكا ) بالمصدر ؛ أي : مدكوكا دكا ، ومثله في السد من سورة الكهف .
والخرور والخر : السقوط من علو والانكباب على الأرض ، ومنه : يخرون للأذقان سجدا ( 17 : 107 ) والصعق - بكسر العين : صفة من الصعق ، وهو ما يكون من تأثير نزول نزول الصاعقة من موت أو إغماء ثم توسع فيه بإطلاقه على ما يشبه ذلك ، قال الفيومي في المصباح : صعق صعقا من باب تعب : مات ، وصعق : غشي عليه لصوت سمعه ، والصعقة الأولى : النفخة ، والصاعقة : النازلة من الرعد ، والجمع صواعق ، ولا تصيب شيئا إلا دكته وأحرقته ا هـ .
وأحسن ما ورد في التفسير المأثور لهذه الآية مطابقا لمتن اللغة ما رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس فلما تجلى ربه للجبل قال : ما تجلى منه إلا قدر الخنصر جعله دكا قال : ترابا وخر موسى صعقا قال : مغشيا عليه ا هـ . وما رواه ابن المنذر عن عكرمة أنه - أي الجبل - كان حجرا أصم فلما تجلى له صار تلا ترابا دكا من الدكاوات - أي : مستويا بالأرض - ولولا ذلك لجاز أن يقال إن صيرورته ترابا ، وإن كان بمعنى الدكاء والمدكوك لا ينافي استقرار الجبل مكانه ، وقد ورد في بعض الآثار والأحاديث المرفوعة أيضا أنه ساخ ، أي : غاص في الأرض ، وهو يتفق مع المعنى الأول ، أي : أنه رج بالتجلي رجا بست بها حجارته بسا ، وساخ في الأرض كله أو بعضه في أثناء ذلك حتى صار كما قال بعضهم ربوة دكاء كالرمل المتلبد .
والمعنى : فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهد وهبط من شدته ، وعظمته وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء - وسقط موسى على وجهه مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة ، والتجلي وإنما كان الجبل دونه ، فكيف لو كان له ؟ !
[ ص: 110 ] وقد روي في تفسير هذه الآيات من الأخبار والآثار الواهية والموضوعة غرائب وعجائب أكثرها من الإسرائيليات ، أمثل المرفوع منها ما روي من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : " قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال : - ووضع الإبهام قريبا من طرف خنصره - فساخ الجبل " وفي لفظ زيادة وخر موسى صعقا فقال حميد الطويل لثابت : ما تريد إلى هذا ؟ فضرب صدره - أي صدر حميد - وقال : من أنت يا حميد ؟ يحدثني أنس بن مالك ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول أنت : ما تريد إلى هذا ! " رواه أحمد وعبد بن حميد والترمذي - وصححه - وأبناء جرير والمنذر وأبي حاتم وعدي في الكامل ، وأبو الشيخ والحاكم - وصححه - وابن مردويه والبيهقي في الرؤية ، وقد انفرد به عند مصححيه حماد بن سلمة وهو من رجال مسلم إلا أنه قد تغير حفظه في آخر عمره كما هو معلوم ، وله طريقان آخران عند داود بن المحبر وابن مردويه لا يصحان كما قال الحافظ ابن كثير ، والمراد من التمثيل بالإبهام والخنصر أن ذلك أقل التجلي وأدناه ، وسيأتي من الصحيح ما يؤيد معناه .
ومن أنكر هذه الروايات ، وأوهاها ما روي عن أنس مرفوعا " لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة . . . " وذكر أسماءها ، قال الحافظ ابن كثير : وهذا حديث غريب بل منكر . أقول : ولا يدخل من ألفاظ الآية ولا معناها في شيء .
فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين أي : ( فلما أفاق ) موسى من غشيه ، والتعبير بالإفاقة يدل على صحة تفسير ابن عباس ، والجمهور للصعق بالغشي ، وبطلان تفسير قتادة له بالموت ، وقال به بعض شذاذ الصوفية وادعوا أنه رأى ربه فمات ، أو مات ثم رأى ربه ، ولو مات لقال - تعالى - " فلما بعث " إلخ . كما قال في السبعين الذين اختارهم من قومه ، وذهبوا معه إلى الجبل وطلبوا منه أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فإنه قال ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ( 2 : 56 ) كما في سورة البقرة ، وسيأتي خبرهم في هذه القصة من هذه السورة - قال سبحانك أي : تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألتك أو من لوازمه - أو كما حكى - تعالى - عن نوح - عليه السلام - : أن أسألك ما ليس لي به علم ( 11 : 47 ) وأكثر مفسري أهل السنة يجعلون وجه التنزيه والتوبة أنه سأل الرؤية بغير إذن من الله - تعالى - ، ونفي العلم إنما يصح عندهم بمعنى أن ما سأله غير ممكن أو غير واقع في هذه الحياة الدنيا ، لا أنه غير ممكن في نفسه ، وغير واقع ألبتة ، ولا في الآخرة . ومعنى التوبة : الرجوع ، والمراد هنا الرجوع عما طلب إلى الوقوف مع الرب - تعالى - عند منتهى حدود الأدب . قال مجاهد تبت إليك أن أسألك الرؤية : وأنا أول المؤمنين [ ص: 111 ] قال ابن عباس ومجاهد : أي : من بني إسرائيل ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد ، ذكرهما الحافظ ابن كثير وقال : وكذا قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون ، ولكن يقول : أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . قال : وهذا قول حسن له اتجاه ، وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرا طويلا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار ، وكأنه تلقاه من الإسرائيليات ، والله أعلم ا هـ .
خلاصة معنى الآية : أن موسى - عليه السلام - لما نال فضيلة تكليم الله - تعالى - له بدون واسطة فسمع ما لم يكن يسمع قبل ذلك ، وهو من الغيب الذي لا شبه له ولا نظير في هذا العالم ، طلب من الرب - تعالى - أن يمنحه شرف رؤيته ، وهو يعلم حتما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ، ولا في صفاته التي منها كلامه - عز وجل - ، فكما أنه سمع كلاما ليس كمثله كلام بتخصيص رباني - استشرف لرؤية ذات ليس كمثلها شيء من الذوات ، كما فهم من ترتيب السؤال على التكليم ، فلم يكن عقل موسى - وهو في الذروة العليا من العقول البشرية بدليلي العقل والنقل - مانعا له من هذا الطلب ، ولم يكن دينه وعلمه بالله - تعالى - وهما في الذروة العليا أيضا - مانعين له منه ، ولكن الله - تعالى - قال له : لن تراني ولكي يخفف عليه ألم الرد وهو كليمه الذي قال له في أول العهد بالوحي إليه : واصطنعتك لنفسي ( 20 : 41 ) أراه بعينيه ومجموع إدراكه من تجليه للجبل بما لا يعلمه سواه أن المانع من جهته هو لا من الجود الرباني ، فنزه الله وسبحه وتاب إليه من هذا الطلب ، فبشره الله - تعالى - بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه - أي : بدون رؤيته - ، وأمره بأن يأخذ ما أعطاه ، ويكون من الشاكرين له .
قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي الاصطفاء : اختيار صفوة الشيء ، وصفوه ؛ أي : خالصه الذي لا شائبة فيه ، ومنه الصفي من الغنيمة وهو ما يصطفيه الإمام أو القائد الأكبر منها ويختاره لنفسه ، كاختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - السيف المعروف بذي الفقار من غنائم غزوة بدر . وتعدية الاصطفاء هنا بـ ( على ) لتضمنه معنى التفصيل ، فالمعنى : إني اصطفيتك مفضلا إياك على الناس من أهل زمانك بالرسالة ، قرأ ابن كثير ونافع " برسالتي " والباقون " برسالاتي " فإفرادها بمعنى الاسم من الإرسال ، وجمعها باعتبار تعدد ما أرسل به من العقائد والعبادات والأحكام السياسية والحربية والمدنية والشخصية ، وقيل بتعدد أسفار التوراة ، وهو ضعيف ؛ لأن التوراة ما أوحاه من الشريعة إلى موسى ، وهو موضوع رسالته ، وتسمية الأسفار الخمسة بالتوراة اصطلاحية ، وقد يطلقونها على جميع كتب أنبياءبني إسرائيل قبل عيسى - صلى الله عليه وسلم - واصطفيتك بكلامي : أي بتكليمي لك بعد وحي الإلهام من غير توسط ملك ، وإن كان من وراء حجاب ، وهو ما طلب [ ص: 112 ] رفعه لتحصيل الرؤية مع الكلام ، ووحي الله - تعالى - ثلاثة أنواع بينها بقوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ( 42 : 51 ) فهذا النوع الأوسط هو الأعلى ، وقد أعطي لموسى - صلى الله عليه وسلم - بعد النوع الأول ، وقيل بالعكس ، وقد بينا ما فيه من وجه الخصوصية في تفسير قوله - تعالى - : وكلم الله موسى تكليما من سورة النساء ( 4 : 164 ) .
فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين أي : فخذ ما أعطيتك من الشريعة - التوراة - وكن من الراسخين في الشكر لنعمتي بها عليك وعلى قومك ، وذلك بإقامتها بقوة وعزيمة ، والعمل بها ، وكذا لسائر نعمي ، فإن حذف متعلق الشكر يدل على عمومه ، كما أن صيغة الصفة منه تدل على التمكن منه والرسوخ فيه .


