الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
5184 - وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما ونحن معه ، فرأى قبة مشرفة ، فقال " ما هذه ؟ " قال أصحابه : هذه لفلان رجل من الأنصار ، فسكت وحملها في نفسه ، حتى إذا جاء صاحبها ، فسلم عليه الناس فأعرض عنه ، صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه ، فشكا ذلك إلى أصحابه وقال : والله إني لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : خرج فرأى قبتك . فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض . فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فلم يرها ، قال : " ما فعلت القبة ؟ " قالوا : شكا إلينا صاحبها إعراضك ، فأخبرناه ، فهدمها . فقال : " أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا ، إلا ما لا " يعني إلا ما لا بد منه . رواه أبو داود .

التالي السابق


5184 - ( وعنه ) أي : عن أنس ( أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج يوما ) أي : وقتا ( ونحن معه ) : جملة حالية ( فرأى قبة مشرفة ) أي : بناء عاليا ( فقال : " ما هذا ؟ " ) : استفهام إنكار أي : ما هذه العمارة المنكرة ومن بانيها ؟ ( قال أصحابه : هذه لفلان ، رجل ) : بالجر ، وفي نسخة بالرفع ( من الأنصار ، فسكت وحملها ) أي : أضمر تلك الفعلة ( في نفسه ) : غضبا على فاعلها في فعلها ، ففي أساس البلاغة حملت الحقد عليه إذا أضمرته . قال الشاعر :


ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا



( حتى لما جاء صاحبها ، فسلم ) أي : صاحبها ( عليه ) أي : على النبي عليه الصلاة والسلام ( في الناس ) أي : في محضر منهم ، أو فيما بينهم ( فأعرض عنه ) أي : فلم يرد عليه السلام ، أو رد وأعرض عن الالتفات ، كما هو دأبه من الملاطفة لديه صلى الله تعالى عليه وسلم تأديبا له وتنبيها لغيره ( صنع ذلك مرارا ) : لا يبعد أن يكون جواب لما ، ويحتمل أن يكون مدخول حتى ، ولما الحينية ظرف معترض بين العامل والمعمول مسامحة ، وكان الطيبي رحمه الله جعل قوله صنع استئناف بيان حيث قال قوله : فأعرض يجوز أن يكون جواب لما مع الفاء وهو قليل ، ويجوز أن يقدر جواب لما أي كرهه فأعرض عنه وقوله : ( حتى عرف الرجل الغضب فيه ) أي : عرف أن الغضب كان لأجله ( والإعراض عنه ) [ ص: 3245 ] أي : بسببه ( فشكا ذلك ) أي : ما رآه من أثر الغضب والإعراض ( إلى أصحابه ) أي : أصحابه الخلص ، أو إلى أصحاب نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ( وقال ) : تفسير لما قبله ( والله إني لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : أرى منه ما لم أعهده من الغضب والكراهة ، ولا أعرف له سببا ، وفي نسخة إلى رسول الله ولا يظهر لها وجه ، ( قالوا : خرج فرأى قبتك . فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض ) : اختيارا لرضا الله تعالى على نفسه وما تهواه ، ( فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فلم يرها ) أي : القبة ( قال ) : استئناف بيان ( " ما فعلت القبة ؟ " ) : بصيغة الفاعل ، وفي نسخة على بناء المجهول ( قالوا : شكا إلينا صاحبها إعراضك ) أي : سببه ( فأخبرناه ) أي : بأنه لأجل بنائك القبة ( فهدمها . قال : " أما " ) : بتخفيف الميم للتنبيه ( " إن كل بناء " ) : بكسر الموحدة ، وهو إما مصدر أو أريد به المبني ( " وبال على صاحبه إلا ما لا ، إلا ما لا ) : كرره للتأكيد ( يعني : إلا ما لا بد منه ) أي : لا فراق عنه ، قيل : معنى الحديث أن كل بناء بناه صاحبه فهو وبال أي : عذاب في الآخرة ، والوبال في الأصل الثقل ، والمكروه أراد ما بناه للتفاخر والتنعم فوق الحاجة لا أبنية الخير من المساجد والمدارس والرباطات ، فإنها من الآخرة ، وكذا ما لا بد منه للرجل من القوت والملبس والمسكن . ( رواه أبو داود ) : روى البيهقي عن أنس مرفوعا : " كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدا " . وروى الطبراني عن واثلة مرفوعا : " كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا " . وأشار بكفه " وكل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما عمل به " .




الخدمات العلمية