الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الْأُصُولُ الْأُصُولُ : الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ . وَمَصْدَرُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، إِذِ الْكِتَابُ قَوْلُهُ ، وَالسُّنَّةُ بَيَانُهُ ، وَالْإِجْمَاعُ دَالٌّ عَلَى النَّصِّ . وَمَدْرَكُهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا جِبْرِيلَ . وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا . وَكِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَلَامُهُ الْمُنْزَلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، وَتَعْرِيفُهُ بِمَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا ، دَوْرِيٌّ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْكِتَابُ غَيْرُ الْقُرْآنِ . وَرُدَّ : بِحِكَايَةِ قَوْلِ الْجِنِّ : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا ، إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ . وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ ، وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ ، وَعِنْدَنَا لَا اشْتِرَاكَ ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَدِيمٌ ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَلَامِيٌّ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ " الْأُصُولُ " : قَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ " الْمُخْتَصَرِ " أَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا أَصْلًا ، بَعْدَ ذِكْرِ مُقْدِمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ بِفُصُولِهَا الْأَرْبَعَةِ ; فَوَجَبَ الْكَلَامُ عَلَى الْأُصُولِ كَمَا وَعَدْنَا . قَوْلُهُ " الْكِتَابُ " : أَيِ الْأُصُولُ هِيَ : الْكِتَابُ " وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ " . وَتَحْقِيقُ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَاللَّامُ فِي الْأُصُولِ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا مُنَكَّرَةً فِي قَوْلِنَا فِي أَوَّلِ " الْمُخْتَصَرِ " : فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَصْلًا . أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ : الْأُصُولُ الَّتِي وَعَدْنَا بِالْكَلَامِ عَلَيْهَا هِيَ هَذِهِ . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ الْأَدِلَّةُ ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ الشَّرْعِيَّةُ ، وَالدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ : هُوَ الَّذِي طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الشَّرْعُ . وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ لَهُ تَقْسِيمًا أَنَا أَذْكُرُ مَعْنَاهُ : وَهُوَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ ; إِمَّا أَنْ يَرِدَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ، أَوْ لَا مِنْ جِهَتِهِ ، فَإِنْ وَرَدَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ; فَهُوَ إِمَّا مِنْ قَبِيلِ مَا يُتْلَى : وَهُوَ الْكِتَابُ ، أَوْ لَا : وَهُوَ السُّنَّةُ ، وَإِنْ وَرَدَ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ; فَإِمَّا أَنْ نَشْتَرِطَ فِيهِ عِصْمَةَ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ أَوْ لَا ، وَالْأَوَّلُ : الْإِجْمَاعُ ، وَالثَّانِي : إِنْ كَانَ حَمْلَ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ بِجَامِعٍ مُشْتَرِكٍ ; فَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَإِلَّا فَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ . فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ - وَهِيَ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ - نَقْلِيَّةٌ ، وَالْآخَرَانِ مَعْنَوِيَّانِ ، وَالنَّقْلِيُّ أَصْلٌ لِلْمَعْنَوِيِّ ، وَالْكِتَابُ أَصْلٌ لِلْكُلِّ . فَالْأَدِلَّةُ إِذًا خَمْسَةٌ : الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، وَالْقِيَاسُ ، وَالِاسْتِدْلَالُ ، وَعَرَّفَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ . قُلْتُ : وَقَدْ ذَكَرْتُ ضَعْفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي التَّعْرِيفِ عِنْدَ تَعْرِيفِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِمِثْلِهَا ، وَذَكَرْتُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهَا عَلَى أَنْوَاعٍ : مِنْهَا : وُجِدَ السَّبَبُ ; فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ . وَمِنْهَا : وُجِدَ الْمَانِعُ ; فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ . وَمِنْهَا : انْتَفَى الشَّرْطُ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ . وَمِنْهَا : الْقِيَاسُ الْمَنْطِقِيُّ ، وَهُوَ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ ، يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ ، وَهُوَ إِمَّا اقْتِرَانِيٌّ أَوِ اسْتِثْنَائِيٌّ ، وَالِاسْتِثْنَائِيُّ مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْفَصِلٌ ، وَمَوْضِعُ اسْتِقْصَائِهِ كُتُبُ الْمَنْطِقِ . وَمِنْهَا : اسْتِصْحَابُ الْحَالِ . قُلْتُ : وَالْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دَاخِلَةٌ فِي الِاقْتِرَانِي ، الَّذِي هُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ ، إِذْ قَوْلُنَا : وُجِدَ السَّبَبُ أَوِ الْمَانِعُ ، أَوِ انْتَفَى الشَّرْطُ ، كُلُّهُ فِي تَقْدِيرِ تَرْكِيبٍ اقْتِرَانِيٍّ ، نَحْوَ وُجِدَ السَّبَبُ ، وَكُلَّمَا وُجِدَ السَّبَبُ ، وُجِدَ الْحُكْمُ ، فَيَلْزَمُ عَنْهُ : إِذَا وُجِدَ السَّبَبُ ، وُجِدَ الْحُكْمُ ، وَكَذَلِكَ وُجِدَ الْمَانِعُ ، وَكُلَّمَا وُجِدَ الْمَانِعُ ، انْتَفَى الْحُكْمُ . وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ تَقْسِيمَ الدَّلِيلِ هَاهُنَا ، لِمُنَاسَبَةِ شُرُوعِنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى أَدِلَّةِ الْفِقْهِ ، وَأَيْضًا كُنْتُ قَدْ وَعَدْتُ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ ، وَتَعَرُّضِي هُنَاكَ بِلَفْظِ الِاسْتِدْلَالِ ، أَنِّي أَذْكُرُ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَا ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : " وَمَصْدَرُهَا اللَّهُ تَعَالَى " أَيْ : وَمَصْدَرُ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أَيْ : هُوَ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ " إِذِ الْكِتَابُ " أَيْ : لِأَنَّ الْكِتَابَ ، " قَوْلُهُ ، وَالسُّنَّةَ بَيَانُهُ " ، أَيْ : بَيَانُ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النَّحْلِ : 44 ] ، وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَيَانِهِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَهَكَذَا اتَّفَقَ . وَقَدْ يَتَّجِهُ ذَلِكَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [ النَّجْمِ : 3 - 4 ] لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَ الْمُرَادُ الْأَوَّلُ " وَالْإِجْمَاعُ دَالٌّ عَلَى النَّصِّ " لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ ; إِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسُ نَصٍّ . قَوْلُهُ : " وَمَدْرَكُهَا الرَّسُولُ " أَيْ : مَدْرَكُ هَذِهِ الْأُصُولِ ، أَيْ : الطَّرِيقُ إِلَى إِدْرَاكِهَا . وَمَدْرَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ مَكَانِ الْإِدْرَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا مِنْ جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [ الشُّورَى : 51 ] ، فَلَمْ يَبْقَ لَنَا مَدْرَكٌ لِهَذِهِ الْأُصُولِ إِلَّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَالْكِتَابُ نَسْمَعُ مِنْهُ تَبْلِيغًا ، وَالسُّنَّةُ تَصْدُرُ عَنْهُ تَبْيِينًا وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدَانِ فِي إِثْبَاتِهِمَا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ آنِفًا دَاخِلٌ فِي حَدِّ الدَّلِيلِ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّ مَرْجِعَ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا إِلَى الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ لَهُ ، أَوْ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْهُ . قَوْلُهُ : " وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، يَعْنِي أَنَّ الْأُصُولَ ضَرْبَانِ : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ ، وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ : الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، وَالْقِيَاسُ ، وَ الِاسْتِدْلَالُ . وَمُخْتَلِفٌ فِيهِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ : شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَا مُخَالِفَ لَهُ ، وَالِاسْتِحْسَانُ ، وَالِاسْتِصْلَاحُ ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي " الْمُخْتَصَرِ " ، وَبَعْدَهَا الْقِيَاسُ ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا ، لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلِفِ فِيهَا مُتَوَالِيًا ، لَا يَتَخَلَّلُهُ غَيْرُهُ ، لَكِنْ قَدْ أَبَنْتُ عُذْرِي فِي ذَلِكَ أَوَّلَ الشَّرْحِ ، وَهُوَ أَنِّي اخْتَصَرْتُ وَلَمْ أَسْتَقْصِ أَحْوَالَ التَّرْتِيبِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية