الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة وَيَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ مَنْعُ كَوْنِهِ حُجَّةً ، أَوْ فِي الْحُدُودِ ، وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمَظَانِّ كَالْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ وَجَوَابُهُ . وَالْأَسْئِلَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ ، أَوْ مُعَارَضَةٍ ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتَرْتِيبُهَا أَوْلَى اتِّفَاقًا ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " وَتَرْتِيبُهَا أَوْلَى اتِّفَاقًا ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ " . أَيْ : تَرْتِيبُ الْأَسْئِلَةِ وَهُوَ جَعْلُ كُلِّ سُؤَالٍ فِي رُتْبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي بِالْمُعْتَرِضِ إِلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَى ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَبِيحٌ ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَوْلَى . أَمَّا وُجُوبُهُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ نَفْيًا لِلْقُبْحِ الْمَذْكُورِ ، وَنَفْيُ الْقُبْحِ وَاجِبٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ ، لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَجَوَابُهُ مُرْتَبِطٌ بِهِ ، فَلَا فَرْقَ إِذَنْ بَيْنَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ ، وَالْمَقْصُودُ إِفْحَامُ الْخَصْمِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمُحَارِبَ لَمَّا كَانَ قَصْدُهُ قَتْلَ غَرِيمِهِ ، أَوْ هَزِيمَتَهُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَبْدَأَ قِتَالَهُ بِسَيْفٍ ، أَوْ رُمْحٍ ، أَوْ سَهْمٍ ، أَوْ نَارٍ مُحْرِقَةٍ ، أَوْ مَاءٍ مُغْرِقٍ ، أَوْ تَرْدِيَةٍ مِنْ شَاهِقٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ كَيْفِيَّةٌ لَهَا ، ثُمَّ إِنَّ نَفْسَ الْأَسْئِلَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا ، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ إِفْحَامُ الْخَصْمِ وَهِيَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ فَتَرْتِيبُهَا الَّذِي هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا أَوْلَى بِذَلِكَ . هَذَا تَوْجِيهُ مَا فِي " الْمُخْتَصَرِ " . وَذَكَرَ النِّيلِيُّ كَلَامًا مَعْنَاهُ : أَنَّ السَّائِلَ هَلْ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ بِأَنْ يَسْرُدَهَا سَرْدًا ، ثُمَّ يُجِيبُ الْمُسْتَدِلَّ عَنْهَا سُؤَالًا سُؤَالًا ، أَمْ لَا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابِهِ ، ثُمَّ إِيرَادِ الَّذِي بَعْدَهُ ؟ فَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ ، لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ ، فَقَالَ : لَا أُسَلِّمُ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ قُلْتَ ؟ فَقَدْ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ . وَبِالْجُمْلَةِ انْتِقَالُهُ إِلَى كُلِّ سُؤَالٍ رُجُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ . قُلْتُ : فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ يُورِدُ ، وَيُجِيبُ نَفْسَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ جَائِزٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ جَمْعَهُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ لَيْسَ رُجُوعًا عَنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَنَزُّلٌ مَعَ الْخَصْمِ مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ . أَيْ : لَوْ فَرَضْنَا سَلَامَةَ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَنْعِ ، لَمْ يَسْلَمْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ ، فَانْتِقَالُهُ إِلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ سُقُوطِ سُؤَالِ الْمَنْعِ بِإِجَابَةِ الْمُسْتَدِلِّ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي عُهْدَةِ الْمَنْعِ حَتَّى يُجِيبَ عَنْهُ . قُلْتُ : وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الشَّرْحِ أَنِّي اسْتَعْمَلْتُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْكِتَابِ ، وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَائِدَةٌ . ثُمَّ إِذَا جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ هَلْ يَلْزَمُهُ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ آنِفًا . وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَلْيَقُ بِالِاتِّفَاقِ . قَوْلُهُ : " وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ " ، أَيْ : فِي كَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ خِلَافٌ كَثِيرٌ . ذَكَرَ ابْنُ الْمَنِيِّ مِنْهُ جُمْلَةً فِي جَدَلِهِ الْمُسَمَّى : " جَنَّةُ النَّاظِرِ وَجُنَّةُ الْمَنَاظِرِ " وَلَيْسَ الْآنَ حَاضِرًا عِنْدِي لِأَذْكُرَ مَا قَالَهُ ، وَإِلَيْهِ أَشَرْتُ بِالْأَقْوَالِ الْكَثِيرَةِ ، لَكِنْ قَدْ دَلَّ عَلَى كَثْرَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَزْدَوِيِّ وَالنِّيلِيِّ وَالْآمِدِيِّ فِي " جَدَلِهِ " زَعَمَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَرْتِيبِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ ، وَأَنْتَ تَرَى الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَاتِ الْأَسْئِلَةِ وَأَسْمَائِهَا وَتَرْتِيبِهَا ، وَالضَّابِطُ الْكُلِّيُّ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْضِيَ إِيرَادُهَا إِلَى مَنْعٍ بَعْدَ تَسْلِيمٍ أَوْ إِنْكَارٍ بَعْدَ اعْتِرَافٍ . مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ : قَتْلٌ فَيُوجِبُ الْقِصَاصَ ، لِمَ قُلْتَ : إِنَّهُ إِذَا كَانَ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُوجِبُ ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَتْلٌ ، سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنْ يَنْتَقِضُ بِالْخَطَأِ ، سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنَّهُ قَتْلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ؟ سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنْ عِنْدَنَا مَا يُعَارِضُهُ ، سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنْ مَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِكَ : إِنَّهُ قَتْلٌ ؟ وَهُوَ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ ، ثُمَّ يَذْكُرُ فَسَادَ الْوَضْعِ وَالِاعْتِبَارِ ، فَالسُّؤَالُ الْأَوَّلُ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ وَجُودِهَا ، وَالثَّانِي مَنْعُ الْعِلَّةِ ، فَهُوَ مَنْعٌ بَعْدَ تَسْلِيمٍ ، وَكَذَا الْأَسْئِلَةُ بَعْدَهُ فِي غَيْرِ مَرَاتِبِهَا ، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ . قَالَ الْآمِدِيُّ فِي " الْجَدَلِ " : أَوَّلُ مَا يَجِبُ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ : فَسَادُ الِاعْتِبَارِ ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَجًّا بِهِ ، فَلَا مَعْنًى لِلنَّظَرِ فِي تَفَاصِيلِهِ . ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ فِي جِنْسِهِ . ثُمَّ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ نَظَرٌ فِي تَفْصِيلِ الدَّلِيلِ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ . ثُمَّ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ عَمَّا يَدَّعِي كَوْنَهُ عِلَّةً ، إِذِ التَّعَرُّضُ لِلِاسْتِفْسَارِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَنْبَطِ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْمُسْتَنْبَطِ عَنْهُ . ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِمَعْرِفَةِ الْوَصْفِ ، وَالِاسْتِفْسَارُ يُشْعِرُ بِجَهْلِهِ . ثُمَّ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً ، إِذِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِهِ تُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ وَجُودِهِ فِي نَفْسِهِ . ثُمَّ النَّقْضُ ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَأْثِيرِ الْوَصْفِ . ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ ، لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ صَلَاحِيَةِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ ، وَالنَّقْضُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ ذَلِكَ . ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ لِإِشْعَارِهِ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِإِيرَادِهِ . ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْحُكْمِ ، لَكِنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ غَيْرُ مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ . وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى " : الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالِاسْتِفْسَارِ ، لِيَعْرِفَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ ، ثُمَّ بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ ، إِذْ هُوَ نَظَرٌ فِي الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ ، ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ ، لِكَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ ، ثُمَّ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ ، فَكَانَ مُؤَخَّرًا عَمَّا قَبْلَهُ ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ ، وَسُؤَالُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ ، وَالْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ ، وَالتَّقْسِيمِ ، وَكَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا يَنْضَبِطُ ، وَكَوْنُ الْحُكْمِ غَيْرُ مُفْضٍ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ ، لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ صِفَةَ وُجُوهِ الْعِلَّةِ ، ثُمَّ النَّقْضُ ، وَالْكَسْرُ ؛ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالتَّرْكِيبِ ؛ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِلْعِلَّةِ ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ ، وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ ، وَمُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ فِي الضَّابِطِ أَوِ الْحِكْمَةِ ، وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ ، وَسُؤَالُ الْقَلْبِ ؛ لِكَوْنِهِ نَظَرًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ التَّابِعِ لِلْأَصْلِ ، ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ الْمُثْمِرِ لَهُ . قُلْتُ : وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَنَا : يَلْزَمُ أَوْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَدِلَّةِ ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا ، أَوْ لَا يَجُوزُ ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ الْوُجُوبَ أَوْ عَدَمَ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحِيٌّ ، أَيْ : يَكُونُ تَارِكُهُ مَذْمُومًا فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ ، فَهُوَ قَادِحٌ فِي الْفَضِيلَةِ ، لَا فِي دِينٍ وَلَا مُرُوءَةٍ بِالنَّظَرِ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، يَعْرِفُ أَمْثِلَةَ إِيرَادِ الْأَسْئِلَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْجَوَابِ عَنْهَا ، كَتَعْلِيقَةِ الشَّرِيفِ الْمَرَاغِيِّ ، وَالسَّيْفِ الْآمِدِيِّ ، وَتَعْلِيقَةِ ابْنِ الْمَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ . أَمَّا طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَصْحَابِهِ ، كَأَبِي الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ " ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " وَنَحْوِهَا ، فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا ، ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا الْأَدِلَّةَ سَرْدًا وَتَرْتِيبًا ، بَلْ أَوْرَدُوا كُلَّ دَلِيلٍ وَجَوَابَهُ عَقِيبَهُ مُرَتَّبًا ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَدَدِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ وُرُودِهَا عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّهَا تَرِدُ عَلَى كُلِّ قِيَاسٍ ، لِأَنَّ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مَا لَا يَرِدُ مِنْ مُوْرِدِهَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ ، كَالْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ إِلَّا مِنْ ظَاهِرِيٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ ، وَاللَّفْظُ الْبَيِّنُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ ، وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ فَسَادُ الْوَضْعِ ، وَعَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى الْبَدَلِ عَنْ بَعْضِ الْأَقْيِسَةِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّصْرِيفِ : إِنَّ حُرُوفَ الزِّيَادَةِ هِيَ حُرُوفُ : " سَأَلْتُمُونِيهَا " عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحُرُوفَ الزَّوَائِدَ عَلَى أُصُولِ مَوَادِّ الْكَلِمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ ، لَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفُ حَيْثُ وَقَعَتْ كَانَتْ زَوَائِدَ ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا وَقَعَ أُصُولًا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَقَدْ نُجِزَ بِحَمْدِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْكَلَامُ عَلَى الْأَدِلَّةِ ، وَهَذَا حِينُ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَدِلِّ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ بَيَانِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدِ ، وَالتَّقْلِيدِ وَالْمُقَلِّدِ ، وَمَسَائِلِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية