الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الِاجْتِهَادُ الِاجْتِهَادُ لُغَةً : بَذْلُ الْجُهْدِ فِي فِعْلٍ شَاقٍّ ، فَيُقَالُ : اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الرَّحَى لَا فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ . وَاصْطِلَاحًا : بَذْلُ الْجُهْدِ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، وَالتَّامُّ مِنْهُ : مَا انْتَهَى إِلَى حَالِ الْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ . وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ ، وَهِيَ الْأُصُولُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ ، وَهُوَ قَدْرُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِحْضَارُهَا لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا لَا حِفْظُهَا ، وَكَذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ ، وَمَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ اجْتِهَادًا كَعِلْمِهِ بِصِحَّةِ مَخْرَجِهِ وَعَدَالَةِ رُوَاتِهِ ، أَوْ تَقْلِيدًا كَنَقْلِهِ مِنْ كِتَابٍ صَحِيحٍ ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رُوَاتَهُ ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْهُمَا ، وَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ دَلِيلَ هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ ، وَمِنَ الْإِجْمَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ ؛ وَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا أَمْ لَا ، وَمِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَكْفِيهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَصٍّ وَظَاهِرٍ وَمُجْمَلٍ وَحَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَعَامٍّ وَخَاصٍّ وَمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ وَدَلِيلِ خِطَابٍ ، وَنَحْوِهِ ، لَا تَفَارِيعِ الْفِقْهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ ، وَتَقْرِيرُ الْأَدِلَّةِ وَمُقَوِّمَاتُهَا . شرح مختصر الروضة " الِاجْتِهَادُ " افْتِعَالٌ مِنَ الْجُهْدِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا : الطَّاقَةُ ، وَبِفَتْحِهَا فَقَطْ : الْمَشَقَّةُ . وَهُوَ " لُغَةً " ، أَيْ : فِي اللُّغَةِ : " بَذْلُ الْجُهْدِ " ، يَعْنِي الطَّاقَةَ " فِي فِعْلٍ شَاقٍّ " ، وَإِنَّمَا وَصَفْنَا الْفِعْلَ بِكَوْنِهِ شَاقًّا لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مُخْتَصٌّ بِهِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ ، إِذْ يُقَالُ : " اجْتَهَدَ " الرَّجُلُ " فِي حَمْلِ الرَّحَى " وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الثَّقِيلَةِ ، وَ " لَا " يُقَالُ : اجْتَهَدَ " فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ " وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْخَفِيفَةِ . " وَاصْطِلَاحًا " ، أَيْ : وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ : " بَذْلُ الْجُهْدِ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ " ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُسْتَصْفَى " " بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ . وَقَالَ الْآمِدِيُّ : هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُحَسُّ مِنَ النَّفْسِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْقَرَافِيُّ : هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي الْمَطْلُوبِ لُغَةً ، وَاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي النَّظَرِ فِيمَا يَلْحَقُهُ فِيهِ لَوْمٌ شَرْعِيٌّ اصْطِلَاحًا . قُلْتُ : وَجَمِيعُ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِيًا . قَوْلُهُ : " وَالتَّامُّ مِنْهُ " ، أَيْ : مِنْ الِاجْتِهَادِ " مَا انْتَهَى إِلَى حَالِ الْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ " الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَنْقَسِمُ إِلَى نَاقِصٍ وَتَامٍّ ، فَالنَّاقِصُ : هُوَ النَّظَرُ الْمُطْلَقُ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ ، وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ . وَالتَّامُّ : هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ حَتَّى يُحِسَّ النَّاظِرُ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ . وَمِثَالُهُ مِثَالُ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دِرْهَمٌ فِي التُّرَابِ ، فَقَلَّبَهُ بِرِجْلِهِ ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَتَرَكَهُ وَرَاحَ . وَآخَرُ إِذَا جَرَى لَهُ ذَلِكَ ، جَاءَ بِغِرْبَالٍ ، فَغَرْبَلَ التُّرَابَ حَتَّى يَجِدَ الدِّرْهَمَ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَا عَادَ يَلْقَاهُ ، فَالْأَوَّلُ اجْتِهَادٌ قَاصِرٌ ، وَالثَّانِي تَامٌّ . قَوْلُهُ : " وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ ، هِيَ الْأُصُولُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً " . لَمَّا ذَكَرَ الِاجْتِهَادَ مَا هُوَ ، وَالنَّاقِصَ مِنْهُ وَالتَّامَّ ، أَخَذَ يُبَيِّنُ الْمُجْتَهِدَ وَشُرُوطَهُ ، فَالْمُجْتَهِدُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ ، وَحَصَّلَ أَهْلِيَّتَهُ ، " وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ " ، أَيْ : طُرُقِهَا الَّتِي تُدْرَكُ مِنْهَا ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهَا ، " وَهِيَ الْأُصُولُ " الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا ، وَهِيَ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، وَالْقِيَاسُ ، وَالِاسْتِدْلَالُ ، وَالْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا ، " وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ " مِنْ حَيْثُ الْكَمِّيَّةِ وَالْمِقْدَارِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ لِلْحُكْمِ ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةِ كَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ ، وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ آلَةٌ لِلْمُجْتَهِدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُهُ ، كَالْقَلَمِ لِلْكَاتِبِ ، وَالْقَدُومِ وَنَحْوِهِ لِلنَّجَّارِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية