الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          وشغبوا بخبر الهذليين المشهور الثابت لما فيه بأن إحداهما ضربت الأخرى بحجر - وفي بعض الروايات بعمود فسطاط فماتت هي وجنينها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة والدية على عاقلة الضاربة .

                                                                                                                                                                                          ثم افترقوا فرقتين - : قال أبو حنيفة ومن قلده : في هذا الخبر بيان أن من قتل آخر بعصا يمات من مثلها [ ص: 274 ] أو بحجر يمات منه ، فلا قود ، ولكنه عمد خطأ على العاقلة .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي ، وأصحابه : في هذا الخبر بيان أن من مات بما لا يمات من مثله ففيه الدية على العاقلة .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رضي الله عنه : أما قول من قال : إن ذلك العمود والحجر كانا مما لا يمات من مثله ، فقول ظاهر الفساد ; لأن عمود فسطاط لا يمكن ألبتة أن يكون مما لا يمات من الضرب - في الشر - بمثله ، فسقط هذا القول - والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                          وأما القائلون بأن في هذا الخبر دليلا على أن العمود والحجر اللذين يمات من مثلهما لا قود فيهما - وإن تعمد الضرب بهما - في الشر ، لكن فيهما الدية على العاقلة ، فهذا ظن فاسد منهم ، يبين ذلك - ما رويناه من طريق أبي داود ، وأحمد بن شعيب ، قال أبو داود - : أنا محمد بن مسعود أنا أبو عاصم عن ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار : أنه سمع طاوسا عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب { أنه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها ؟ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة ، وأن تقتل . } وقال أحمد بن شعيب أنا يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي أنا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار : سمع طاوسا يحدث عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ، فذكر مثله سواء سواء - إلا أنه قال { : فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة ، وأن تقتل بها . } فهذا إسناد في غاية الصحة .

                                                                                                                                                                                          فقالوا : قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية المضروبة على عاقلة القاتلة ، ولا يجوز هذا فيما فيه القود ؟ قلنا : وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام أمر في ذلك بالقود ، وكل أوامره حق ، ولا يجوز ترك شيء منها لشيء ، بل الغرض الجمع بين جميعها - ووجه ذلك بين ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام حكم في ذلك بحكم العمد ، إذ حكم بالقود ، ثم حكم فيه .

                                                                                                                                                                                          بحكم قتل الخطأ ، إذ حكم بالدية على العاقلة ، فلا يجوز أن يكون هذا إلا بأنه أخبر عليه الصلاة والسلام بأنها ضربتها فقتلتها : فحكم بالقود على ظاهر الأمر ، ثم صح أن ضربها [ ص: 275 ] لها كان خطأ عن غير قصد ، فرجع عليه الصلاة والسلام إلى الحكم بما يحكم به قتل الخطأ ، إذ لا يحل أن يحمل حكمه عليه الصلاة والسلام إلا على الحق الذي لا يقتضي ما حكم عليه الصلاة والسلام فيه غير ما حكم به .

                                                                                                                                                                                          وقد ادعى قوم : أن ابن جريج أخطأ فيه ، وقالوا : قد روى سفيان بن عيينة هذا الخبر عن عمرو بن دينار ، فلم يذكر فيه ما ذكر ابن جريج ؟ فقلنا : بل المخطئ من خطأ الأئمة برأيه الفاسد ، وإذ لم يرو ابن عيينة ما روى ابن جريج ، فكان ماذا ؟ ابن جريج أجل من ابن عيينة - وكلاهما جليل - وابن جريج زاد على ابن عيينة ما لم يعرف ابن عيينة ، وزيادة العدل لا يحل ردها .

                                                                                                                                                                                          وقد أتى قوم بما يملأ الفم ، فقالوا : حمل بن النابغة لا يحتج بروايته ؟ .

                                                                                                                                                                                          فقلنا : هذا حكم إبليس ، ترد رواية حمل - رضي الله عنه - وهو صاحب ثابت الصحبة ، وقد أخذ عنه عمر أمير المؤمنين ، وكل من بحضرته من الصحابة - رضي الله عن جميعهم .

                                                                                                                                                                                          ويؤخذ بتخليط أبي حنيفة الذي لا يساوي الاشتغال به - وحسبنا الله ونعم الوكيل .

                                                                                                                                                                                          وقالوا : قد قال بشبه العمد طائفة من الصحابة - رضي الله عنهم - : عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري .

                                                                                                                                                                                          قالوا : ومثل هذا لا يقال بالرأي ، وهو أيضا - قول الجمهور من الفقهاء بعد الصحابة - رضي الله عنهم - كالنخعي ، والشعبي ، وعطاء ، وطاوس ، ومسروق ، والحكم بن عتيبة ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن .

                                                                                                                                                                                          وابن المسيب وقتادة ، والزهري ، وأبي الزناد ، وحماد بن أبي سليمان .

                                                                                                                                                                                          وهو أيضا - قول جمهور الفقهاء ، كسفيان الثوري ، وابن شبرمة ، وعثمان البتي ، والحسن بن حي ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 276 ] قال أبو محمد رضي الله عنه : لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح في ذلك شيء عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، إلا عن علي بن أبي طالب ، وعن زيد بن ثابت . أما الرواية عن عمر بن الخطاب فمنقطعة ; لأنها من طريق سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : أن عمر بن الخطاب قال في شبه العمد : ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة . وأما عن عثمان - فإنها من طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب : أن عثمان بن عفان قال في شبه العمد : أربعون جذعة خلفة إلى بازل عامها ، وثلاثون حقة ، وثلاثون بنت لبون - وعثمان بن مطر ضعيف .

                                                                                                                                                                                          وأما عن علي - فإنها من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي قال : شبه العمد : الضربة بالخشبة ، أو القذفة بالحجر العظيم . ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي قال : في الخطأ شبه العمد - الضرب بالخشبة ، والحجر الضخم - ثلاث حقاق ، وثلاث جذاع ، وثلاث ما بين ثنية إلى بازل عامها . وأما عن زيد بن ثابت فمن طريق وكيع أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ، قال : قال زيد بن ثابت : في شبه العمد ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها ، كلها خلفة . ورويناه أيضا - من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن زيد بن ثابت .

                                                                                                                                                                                          وقد صح أيضا - عن زيد بن ثابت عن غير هذا ، لكن مثل ما روينا عن عثمان كما [ ص: 277 ] أنا محمد بن سعيد بن نبات أنا عباس بن أصبغ أنا محمد بن قاسم بن محمد أنا محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي أنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت أنه قال في دية المغلظة : أربعون جذعة خلفة ، وثلاثون حقة ، وثلاثون بنات لبون . وأما الرواية عن أبي موسى الأشعري فمنقطعة عنه ; لأنها من طريق ابن وهب عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم ، وسليمان - هو أبو إسحاق الشيباني - كلاهما عن الشعبي : أن أبا موسى الأشعري قال : دية شبه العمد ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة - والشعبي لم يدرك أبا موسى بعقله .

                                                                                                                                                                                          وأما ابن مسعود - فرويناها عنه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن ابن مسعود : أنه قال : العمد السلاح ، وشبه العمد الحجر ، والعصا . قال ابن جريج : وأخبرني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : أن ابن مسعود قال : شبه العمد : الحجر ، والعصا ، والسوط ، والدفعة ، وكل شيء عمدته به : ففيه التغليظ - والخطأ : أن يرمي شيئا فيخطئ به . ومن طريق وكيع ، وسعيد بن منصور ، قال وكيع : أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ، وقال سعيد بن منصور أنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن النخعي - ثم اتفق الشعبي ، والنخعي : أن ابن مسعود قال في دية شبه العمد : أرباعا : خمس وعشرون جذعة ، وخمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون بنات مخاض ، وخمس وعشرون بنات لبون . قال أبو محمد رضي الله عنه : ولم يولد الشعبي ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، وعبد الكريم إلا بعد موت ابن مسعود .

                                                                                                                                                                                          وأما التابعون - فروي عن النخعي ، والشعبي : رواية ساقطة فيها الحجاج بن أرطاة ، مثل قول علي في دية شبه العمد .

                                                                                                                                                                                          وقد صح - عن عطاء ، والزهري ، مثل القول الذي روينا عن عمر بن الخطاب ، وأبي موسى ، وأحد قولي زيد بن ثابت .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 278 ] وصح أيضا - عن طاوس ، وعطاء ، والحسن البصري ، وعن الزهري مثل القول الذي ذكرنا عن عثمان ، وأحد قولي زيد بن ثابت .

                                                                                                                                                                                          وصح أيضا - عن أبي الزناد من طريق ابن وهب عن يونس بن عبيد عنه : فيمن عمد بآخر لاعبا معه ، أو ضربه بسوط ، أو عصا ، أو لكزه ، أو رماه لاعبا - فهذا هو شبه العمد ، فيه الدية مغلظة أرباعا ، كالذي روينا آنفا عن ابن مسعود سواء سواء .

                                                                                                                                                                                          هذا كل ما نعلمه جاء عن الصحابة والتابعين في دية شبه العمد ، وعن الصحابة في صفة شبه العمد - وجاء عن التابعين في صفة شبه العمد ما نذكره إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                          صح عن إبراهيم شبه العمد كل شيء يعمد به بغير حديدة ، لكن بالحجر والخشبة - ولا يكون إلا في النفس . وقد صح عن إبراهيم خلاف هذا ، على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله عز وجل .

                                                                                                                                                                                          وأما الحكم بن عتيبة فروينا عنه من طريق ساقطة في رجل ضرب آخر ضربتين بعصا فمات ؟ قال : دية مغلظة .

                                                                                                                                                                                          وصح عن الحكم بن عتيبة من طريق شعبة عنه : إن أعاد عليه الضرب بالعصا فمات فلا قود في ذلك . وصح عن عطاء العمد السلاح ، كذلك بلغنا ، وشبه العمد الحجر والعصا سواء في ذلك النفس ، وما دون النفس - ما علمنا غير ذلك . ولو أن رجلا كسر أسنان آخر بحجر ، أو فقأ عينه بعود ، فإنه لا يقاد منه .

                                                                                                                                                                                          قال ابن جريج : وأنا أقول : بل يقاد منه ; لأنه عمد ، وليس كمن شج آخر بحجر لا يريد قتله فمات من ذلك .

                                                                                                                                                                                          وصح عن عطاء : الدفعة يستقيد بها الرجل غيره ، ليس هذا شبه العمد وصح عن طاوس : العمد السلاح . وصح عن ابنه عبد الله بن طاوس : من تعمد فضخ رأس آخر بحجر : هذا عمد . وروينا عن سعيد بن المسيب من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عبيد الله عن [ ص: 279 ] عمرو بن سليم مولاهم عن المسيب قال : العمد الحديدة - ولو بإبرة فما فوقها من السلاح . وروينا عن مسروق من طريق - لا خير فيها - : ليس العمد إلا بحديدة . وصح عن عمر بن عبد العزيز : من دمغ آخر بحجر أقيد منه ، فإن رماه بالحجر فلا قود . وصح عن قتادة : شبه العمد : الضرب بالخشبة الضخمة ، والحجر العظيم والخطأ أن يرمي إنسانا فيصيب غيره ، أو يرمي شيئا فيخطئ به . وصح عن الحسن البصري لا يقاد من ضارب إلا أن يضرب بحديدة ، وفي الخطأ شبه العمد : دية مغلظة . وصح عن حماد بن أبي سليمان : من خنق آخر حتى يموت فهو خطأ - ومن ضرب آخر بعصا فأعاد عليه الضرب بها فمات فعليه القود - روى كل ذلك عنه شعبة .

                                                                                                                                                                                          والذي وعدنا أن نذكره عن إبراهيم ، والشعبي - : فروينا عن الشعبي - من طريق لا تصح - : من خنق آخر فلم يقلع عنه حتى يموت أقيد منه - فلو رفع عنه ثم مات فدية مغلظة . وروي عنه : إذا أعاد عليه الضرب بالحجر والعصا : فهو قود . وصح عن إبراهيم : إذا خنقه حتى يموت ، أو ضربه بخشبة حتى يموت : أقيد به ، فإن تعمد ضربه بحجر ، ففيه القود . قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا قولنا - وأما فقهاء الأمصار ، فإن ابن شبرمة قال : الدية في شبه العمد في مال الجاني ، فإن لم يف ماله بها فعلى العاقلة . وقال الأوزاعي : كذلك ، وفسر شبه العمد : أنه أن يضرب آخر بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت ؟ قال : فإن ثنى عليه فمات مكانه ، فهو قود . وقال الحسن بن حي مثل ذلك ، إلا أنه قال : إن ثنى عليه فلم يمت مكانه فهو شبه العمد ، والدية في ذلك على العاقلة . [ ص: 280 ] وقال سفيان الثوري : العمد : ما كان بسلاح ، وفيه القود في النفس فما دونها - وشبه العمد : هو أن يضربه بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت ، أو يحدد عودا أو عظما فيجرح به بطن آخر - فهذا لا قود فيه ، وليس فيما دون النفس عنده شبه عمد . وقال أبو حنيفة : لا قود إلا فيما قتل بحديدة بقطع ، أو بليطة قصب ، أو أحرقه في النار حتى مات .

                                                                                                                                                                                          ولو خنقه حتى يموت فلا قود في ذلك إلا أن يخنق الناس مرارا فيقاد منه .

                                                                                                                                                                                          فلو شدخ رأسه عمدا بحجر عظيم حتى يموت ، أو غرقه في ماء بعيد القعر في نهر أو بحر أو بئر أو بركة حتى مات ، أو ضربه بخشبة ضخمة أبدا حتى مات ، أو فتح فمه كرها ورمى في حلقه سما قاتلا فمات ، فلا قود عليه في شيء من ذلك - وإنما فيه الدية ، كدية العمد .

                                                                                                                                                                                          كما روينا عن ابن مسعود وأبي الزناد ، على العاقلة ، وفي ماله الكفارة كقتل الخطإ .

                                                                                                                                                                                          قال : فلو هدم عليه هدما فمات عامدا لذلك فلا شيء عليه ، إلا أن تقوم بينة بأنه كان حيا حين الهدم ، ففيه حينئذ الدية ، والكفارة - ونرى قوله كذلك : فيمن طمس عليه بيتا حتى مات جوعا وجهدا .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رضي الله عنه : قول أبي حنيفة من تأمله علم أنه مخالف لكل خبر روي في ذلك ، ولقول كل من ذكرنا ، إلا الرواية الساقطة عن ابن مسعود ، وما نعلم أحدا وافق أبا حنيفة على ذلك إلا أبا الزناد ، وخالفه في صفة شبه العمد ، ما نعلم مصيبة ، ولا فضيحة على الإسلام أشد ممن لم ير القود فيمن يقتل المسلمين بالصخر ، والتغريق ، والشدخ بالحجارة - ثم لا قود عليه ولا غرامة ؟ بل تكلف الديات في ذلك عاقلته مع [ ص: 281 ] عظيم تناقضه ، إذ لم ير عمد الخطأ إلا في النفس ، ولم يره فيما دونها ؟ فإن قال : لم ترد الأخبار إلا في النفس ؟ قلنا : قد خالفتها كلها فيما فيها كما بينا قبل ، وفساد تقسيمه الذي لا خفاء به ، ولم ير في ذلك تغليظا إلا في أسنان الإبل خاصة ، لا في الدنانير ، ولا في الدراهم ، فأين قياسه الذي يحرم به ويحلل ، ويترك له القرآن ، والسنن ؟ ورأى عثمان البتي : الدية في ذلك في مال الجاني ، ولم ير هو - يعني البتي - وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن شبيه العمد ، إلا من ضرب بما لا يمات من مثله - وأما ما يمات من مثله ففيه عندهم القود - وهو قول الشافعي .

                                                                                                                                                                                          والدية عندهم في شبه العمد - كما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب ، وأبي موسى الأشعري ، وزيد بن ثابت ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، والزهري .

                                                                                                                                                                                          وممن روي عنه نحو قولنا جماعة - : كما روينا من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن شريك بن عبد الله عن زيد بن جبير عن جروة بن حميل عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب : يعمد أحدكم إلى أخيه فيضربه بمثل آكلة اللحم ، لا أوتى برجل فعل ذلك فقتل إلا أقدته به . وروينا أيضا عنه : أنه أقاد من رجل جبذ شعر آخر جبذا شديدا فورم عنقه فمات من يومه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق معمر عن سماك بن الفضل : أن عمر بن عبد العزيز أقاد من رجل خنق صبيا حتى مات . وصح عن عبيد بن عمير القود ممن قتل بحجر ، أو عصا - وهو قول ربيعة ، ومالك ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، وأبي سليمان ، وأصحابنا .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رضي الله عنه : أما المالكيون فقد تناقضوا هاهنا ; لأن المرسل عندهم كالمسند ، وخالفوا هاهنا المراسيل ، وجمهور الصحابة ، وغيرهم .

                                                                                                                                                                                          وأما قولنا " إن أبى الولي إلا أكثر من الدية : لم يلزم القاتل ذلك ، إلا بتراض منه مع الولي ، وإلا فلا " فلأنه لم يوجب ذلك للولي : قرآن ، ولا سنة ، وإنما ألزمنا القاتل [ ص: 282 ] ذلك إذا رضي به هو والولي : فللأثر الصحيح الذي ذكرنا من قوله عليه الصلاة والسلام : " أو يفادى " فهذا فعل من فاعلين ، فهو لازم بتراضيهما .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية