الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها، ولأن بعضها عبد، ومن آثار الإلهية، فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها، أتبعه بعض آيات الأرض بخلاف ما في يس، فإن السياق هناك للبعث وآيات الأرض أدل فقال: ومن آياته أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه أنك ترى الأرض أي بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرته، لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على حد سواء.

                                                                                                                                                                                                                                      ولما كان السياق للوحدانية، عبر بما هو أقرب إلى حال العابد بخلاف ما مضى في الحج فقال: خاشعة أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا منعة عنده لأنه لا مانع من المشي فيها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات. [ ص: 197 ] ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه، فهو من أعظم الأدلة على عظمة الواحد، صرف القول إلى مظهر العظمة فقال: فإذا أنـزلنا بما لنا من القدرة التامة والعظمة عليها الماء من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للنبات وإن كانت سبخة كأرض مصر اهتزت أي تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة، فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه وربت أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها، وتشعبت عروقه، وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من السهولة، وصار بحسن زيه بمنزلة المختال في أثواب ثرية بعد أن كان عاريا ذليلا في أطمار رثة وحال زريء، وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمت به من الذنوب أقبل الحق سبحانه عليها فطهرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات، وزكت بأنواع التجليات.

                                                                                                                                                                                                                                      ولما كان هذا دليلا مشاهدا على القدرة على إيجاد المعدوم، وإعادة البالي المحطوم، أنتج ولا بد قوله مؤكدا لأجل ما هم فيه من الإنكار صارفا القول عن مظهر العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد: [ ص: 198 ] إن الذي أحياها بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار ترابا لمحيي الموتى كما فعل بالنبات من غير فرق. ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللا مؤكدا: إنه على كل شيء قدير لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة، فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية