الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ( 29 ) )

وهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى للممتنع من الإنفاق في الحقوق التي أوجبها في أموال ذوي الأموال ، فجعله كالمشدودة يده إلى عنقه ، الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء .

وإنما معنى الكلام : ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله ، فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه ، الذي لا يستطيع بسطها ( ولا تبسطها كل البسط ) يقول : ولا تبسطها بالعطية كل البسط ، فتبقى لا شيء عندك ، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك ( فتقعد ملوما محسورا ) يقول : فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك ، وتلومك نفسك على الإسراع في مالك وذهابه ، محسورا : يقول : معيبا ، قد انقطع بك ، لا شيء عندك تنفقه ، وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقطع سيرها ، وكلت ورزحت من السير ، بأنه حسير . يقال منه : حسرت الدابة فأنا أحسرها ، وأحسرها حسرا ، وذلك إذا أنضيته بالسير ، وحسرته بالمسألة إذا سألته فألحفت ، وحسر البصر فهو يحسر ، وذلك إذا بلغ أقصى المنظر فكل . ومنه قوله عز وجل ( ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) وكذلك ذلك في كل شيء كل وأزحف حتى يضنى .

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا هودة ، قال [ ص: 434 ] : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) قال : لا تجعلها مغلولة عن النفقة ( ولا تبسطها ) : تبذر بسرف .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يوسف بن بهز ، قال : ثنا حوشب ، قال : كان الحسن إذا تلا هذه الآية ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) يقول : لا تطفف برزقي عن غير رضاي ، ولا تضعه في سخطي فأسلبك ما في يديك ، فتكون حسيرا ليس في يديك منه شيء .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) يقول هذا في النفقة ، يقول ( لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) يقول : لا تبسطها بالخير ( ولا تبسطها كل البسط ) يعني التبذير ( فتقعد ملوما ) يقول : يلوم نفسه على ما فات من ماله ( محسورا ) يعني : ذهب ماله كله فهو محسور .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) يعني بذلك البخل .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) أي لا تمسكها عن طاعة الله ، ولا عن حقه ( ولا تبسطها كل البسط ) يقول : لا تنفقها في معصية الله ، ولا فيما يصلح لك ، ولا ينبغي لك ، وهو الإسراف ، قوله ( فتقعد ملوما محسورا ) قال : ملوما في عباد الله ، محسورا على ما سلف من دهره وفرط .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) قال : في النفقة ، يقول : لا تمسك عن النفقة ( ولا تبسطها كل البسط ) يقول : لا تبذر تبذيرا ( فتقعد ملوما ) في عباد الله ( محسورا ) يقول : نادما على ما فرط منك . [ ص: 435 ]

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق ( ولا تبسطها كل البسط ) فيما نهيتك ( فتقعد ملوما ) قال : مذنبا ( محسورا ) قال : منقطعا بك .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) قال : مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية ( ولا تبسطها كل البسط ) في الحق والباطل ، فينفذ ما معك ، وما في يديك ، فيأتيك من يريد أن تعطيه فيحسر بك ، فيلومك حين أعطيت هؤلاء ، ولم تعطهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية