الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      أخبرنا أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن المعدل أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي سنة ست عشرة وستمائة ، أخبرنا هبة الله بن الحسن الدقاق ، أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن علي بن زكري حدثنا علي بن محمد المعدل ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز حدثنا سعدان بن نصر : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن ابن عون : حدثنا القاسم بن محمد ، عن عائشة رضي الله عنها - ، أنها قالت : من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ، فقد أعظم الفرية على الله - تعالى - ، ولكنه رأى جبريل مرتين في صورته ، وخلقه سادا ما بين الأفق . [ ص: 167 ]

                                                                                      هذا حديث صحيح الإسناد . ولم يأتنا نص جلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الله - تعالى - بعينيه . وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها ، فأما رؤية المنام ، فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة ، وأما رؤية الله عيانا في الآخرة ، فأمر متيقن تواترت به النصوص . جمع أحاديثها الدارقطني والبيهقي وغيرهما .

                                                                                      أبو الحسن المدائني ، عن يزيد بن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده عائشة ، وذلك قبل أن يضرب الحجاب ، فقال : من هذه الحميراء يا رسول الله ؟ قال : هذه عائشة بنت أبي بكر . قال : أفلا أنزل لك عن أجمل النساء ؟ قال : لا ، فلما خرج ، قالت عائشة : من هذا يا رسول الله ؟ قال : هذا الأحمق المطاع في قومه .

                                                                                      هذا حديث مرسل ، ويزيد متروك وما أسلم عيينة إلا بعد نزول الحجاب .

                                                                                      وقد قيل : إن كل حديث فيه : يا حميراء ، لم يصح . وأوهى ذلك [ ص: 168 ] تشميس الماء ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها : لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص ، فإنه خبر موضوع . والحمراء ، في خطاب أهل الحجاز : هي البيضاء بشقرة ، وهذا نادر فيهم ، ومنه في الحديث : رجل أحمر كأنه من الموالي يريد القائل أنه في لون الموالي الذين سبوا من نصارى الشام والروم والعجم .

                                                                                      ثم إن العرب إذا قالت : فلان أبيض ، فإنهم يريدون الحنطي اللون بحلية سوداء ، فإن كان في لون أهل الهند ، قالوا : أسمر وآدم ، وإن كان في سواد التكرور ، قالوا : أسود ، وكذا كل من غلب عليه السواد . قالوا : أسود ، أو شديد الأدمة . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : بعثت إلى الأحمر والأسود ، فمعنى ذلك : أن بني آدم لا ينفكون عن أحد الأمرين . وكل [ ص: 169 ] لون بهذا الاعتبار يدور بين السواد والبياض ، الذي هو الحمرة .

                                                                                      أحمد في " مسنده " حدثنا عباد بن عباد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لها : إني أعرف غضبك إذا غضبت ورضاك إذا رضيت . قالت : وكيف تعرف ؟ قال : إذا غضبت قلت : يا محمد . وإذا رضيت قلت : يا رسول الله .

                                                                                      هذا حديث غريب ، والمحفوظ ما أخرجا في " الصحيحين " لأبي أسامة ، عن هشام بلفظ : إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى . قالت : وكيف يا رسول الله ؟ قال : إذا كنت عني راضية ، قلت : لا ورب محمد . وإذا كنت علي غضبى ، قلت : لا ورب إبراهيم . قلت : أجل والله ، ما أهجر إلا اسمك .

                                                                                      تابعه علي بن مسهر . وأخرج النسائي حديث علي .

                                                                                      هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها استعارت قلادة في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانسلت منها . وكان ذلك المكان يقال له : الصلصل ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلبوها حتى وجدوها . وحضرت الصلاة ، ولم [ ص: 170 ] يكن معهم ماء ، فصلوا بغير وضوء ، فأنزل الله آية التيمم ، فقال لها أسيد بن الحضير : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر قط تكرهينه إلا جعل الله لك فيه خيرا .

                                                                                      رواه ابن نمير ، وعلي بن مسهر عنه .

                                                                                      مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش ، انقطع عقدي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه ، فقالوا : ما ترى ما صنعت عائشة ، أقامت برسول الله وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ! قالت : فعاتبني أبو بكر ، فقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان النبي صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا . فقال أسيد بن حضير - وهو أحد النقباء : ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر ! قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته متفق عليه . [ ص: 171 ]

                                                                                      وفي " مسند أحمد " من طريق محمد بن إسحاق : حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة من عنقي ، فوقعت ، فحبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم لالتماسها حتى طلع الفجر ، وليس مع القوم ماء ، فلقيت من أبي ما الله به عليم من التعنيف والتأفيف . وقال : في كل سفر للمسلمين منك عناء وبلاء ، فأنزل الله الرخصة في التيمم ، فتيمم القوم ، وصلوا .

                                                                                      قالت : يقول أبي حين جاء من الله من الرخصة للمسلمين : والله ما علمت يا بنية إنك لمباركة ! ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر
                                                                                      .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية