الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أقول : أي وما كان من شأن الله في حكمته ورحمته أن يضيع إيمانكم الباعث لكم على اتباع الرسول في الصلاة والقبلة ، فلو كان نسخ القبلة مما يضيع الإيمان بنقضه أو نقصه أو فوت ثواب ما كان قبله لما نسخها . أكثر المفسرين ومنهم ( الجلال ) على أن المراد بالإيمان هنا الصلاة ، إذ ورد أن بعض المؤمنين أحبوا أن يعرفوا حال صلاتهم قبل التحويل أو صلاة من مات ولم يصل إلى الكعبة ، فأراد الله أن يبين لهم أنه يتقبل من الصلاة ما كان أثر الإيمان الخالص ; أي : متى كنتم تصلون إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ، فصلاتكم مقبولة ; لأنها أثر الإيمان الراسخ في القلب المصلح للنفس ، فتسمية الصلاة على هذا إيمانا ليس لأنها أعظم أركان الدين ، بل للإشارة إلى أن مزيتها في منشئها الباعث عليها من الإيمان والإخلاص ، ولذلك يقرن الإيمان دائما بذكر الصلاة والزكاة ، فالصلاة آية الإيمان القلبية الخفية ; لأنها لا تكون آية إلا بإخلاص القلب ، والزكاة هي الدليل الحسي الظاهر عليه ، وقد يغش الجاهل نفسه بالصلاة فيتوهم أنه أقامها كما أمر الله إذا أدى هذه الأعمال الظاهرة التي هي صورتها وإن كانت هذه الصورة خالية من روح الإخلاص والتوجه القلبي إلى الله تعالى ، ولكن [ ص: 10 ] الزكاة آية حسية على الإيمان لا يقدر أن يغش نفسه بها إنسان ، فليحاسب كل مؤمن بالله وكتابه نفسه .

                          وقال الأستاذ الإمام : إن سياق الآية بل الآيات يدل على أن الإيمان هنا مستعمل في معناه ، فإنه لما بين أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين أن من الناس من ينقلب إلى الكفر ويترك الإيمان ، ومنهم من يثبت على إيمانه عالما أن الاعتقاد في مثل مسألة القبلة على اتباع الرسول ; لأن الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة ، بشر هؤلاء المؤمنين المتبعين بأنهم يجزون على إيمانهم الجزاء الأوفى ، فلا يضيع الله أجرهم ، ولا يلتهم من ثباتهم على اتباع الرسول شيئا . وهذا الذي قاله الإمام ظاهر لكل من يفهم هذا السياق العجيب ، ومن عجيب شأن رواة أسباب النزول أنهم يمزقون الطائفة الملتئمة من الكلام الإلهي ويجعلون القرآن عضين متفرقة ، بما يفككون الآيات ويفصلون بعضها من بعض ، وبما يفصلون بين الجمل الموثقة في الآية الواحدة فيجعلون لكل جملة سببا مستقلا ، كما يجعلون لكل آية من الآيات الواردة في مسألة واحدة سببا مستقلا ، انظر هذه الآيات تجد إعجازها في بلاغة الأسلوب أن مهدت للأمر بتحويل القبلة ما يشعر به في ضمن حكاية شبهة المعترضين التي ستقع منهم ، وبتوهين هذه الشبهة بإسنادها إلى السفهاء من الناس وإيرادها مجملة ، وبوصلها بالدليل على فسادها ، وبذكر هداية الصراط المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج ، ولا تفريط عند سالكيه ولا إفراط ، وبذكر مكانة هذه الأمة بدينها ، واعتدالها في جميع أمرها ، وببيان الحكمة في جعل القبلة الأولى قبلة ثم التحويل عنها ، وبالتلطف في الإخبار عما سيكون من ارتداد بعض من يدعون الإيمان عن دينهم افتتانا بالتحويل وجهلا بالأمر ، إذ أورد الخبر في سياق بيان الحكمة حتى لا يعظم وقعه على النبي والمؤمنين ، وببيان أن المسألة كبيرة على غير المنعم عليهم بالهداية الإلهية التي سبق ذكرها ، وهي الإيمان الكامل بمعرفة دلائل المسائل وحكم الأحكام ، ثم بتبشير المؤمنين المهتدين الثابتين على اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإثابة الله إياهم برأفته ورحمته وفضله وإحسانه .

                          وبعد هذا كله أمره بالتحول أمرا صريحا كما سيأتي في تفسير بقية الآيات . أفيصح في مثل هذا السياق الموثق بعض جمله وآياته ببعض أن نفك وثقه ويجعل نتفا نتفا ، ويقال : إن كل جملة منه نزلت لحادثة حدثت ، أو كلمة قيلت ، وإن أدى ذلك إلى قلب الوضع ، وجعل الأول آخرا والآخر أولا ، وجعل آيات التمهيد متأخرة في النزول عن آيات المقصد ؟ أتسمح لنا اللغة والدين بأن نجعل القرآن عضين ; لأجل روايات رويت وإن قيل : إن إسناد بعضها قوي بحسب ما عرف من تاريخ الراوين ؟ ! ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) هذه الجملة استئناف لبيان علة النفي في التي قبلها ، وإن توفية المؤمن المخلص أجره هي من آثار رأفته ورحمته سبحانه ، فلا يخشى أن تتخلف وأن يضيع أجر المؤمنين الصادقين . قال ( الجلال ) : والرأفة شدة الرحمة ، وقدم الأبلغ [ ص: 11 ] للفاصلة ، وأنكر الأستاذ الإمام هذا القول أشد الإنكار وينكر مثله في كل موضع ، فيقول : إن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها فليس فيه كلمة تقدمت ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة ; لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة ، كما قالوا في كثير من السجع والشعر : إنه قدم كذا وأخر كذا لأجل السجع ولأجل القافية . والقرآن ليس بشعر ، ولا التزام فيه للسجع ، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة ، بل هو على كل شيء قدير ، وهو العليم الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه . وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول إلا لتأثرهم بقوانين فنون البلاغة وغلبتها عليهم في توجيه الكلام ، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته ، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة في مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي ا هـ .

                          ( وأقول ) إن المسألة خلافية ، والتحقيق أن الفواصل ملتزمة في القرآن لكن بغير أدنى ضرورة ، ولا ما يمكن أن يوصف بأنه تكلف بترجيح اللفظ على بلاغة المعنى ، وإنما هو كقوله : ( والعاقبة للمتقين ) 7 : 128 وقوله : ( والعاقبة للتقوى ) ( 20 : 132 ) .

                          ( ثم قال ) : وعندي أن الرأفة أثر من آثار الرحمة والرحمة أعم ، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء ، والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان ، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى ، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى ، كأنه قال : إن الله رءوف بالناس ; لأنه ذو الرحمة الواسعة فلا يضيع عمل عامل منهم ، ولا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم وإخلاصهم في اتباع رسوله ليضيع عليهم هذا الإيمان والإخلاص ، بل ليجزيهم عليه أحسن الجزاء .

                          وإذا كان أثر الرأفة دفع البلاء كما قال الأستاذ الإمام فيجوز أن يكون ذكر الرحمة بعدها إيماء إلى أنه لا يكتفي تعالى بدفع البلاء عن المؤمنين برأفته ، بل يعاملهم بعد ذلك بالرحمة الواسعة والإحسان الشامل ويزيدهم من فضله .

                          ثم إن المفسرين قد بينوا أن كلا من الرأفة والرحمة في الإنسان انفعال في النفس أثره ما ذكر آنفا من الإحسان ودفع الضر ، والانفعال محال على الله تعالى ، فتفسر هذه الألفاظ إذا وصف بها سبحانه وتعالى بآثارها وغاياتها التي هي أفعال ، وهذا من تأويل المتكلمين المخالف لمذهب السلف ، وتقدم شرح هذا المقام في تفسير سورة الفاتحة ( ص 64 ج 1 ) وفي مواضع أخرى .

                          قرأ الحرميان وابن عامر وحفص ( الرءوف ) بالمد ، والباقون بالقصر .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية