الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  صفحة جزء
                                                                  ( 13 ) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم ، يصدق كل واحد منهما صاحبه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره ، ثم أحرم [ ص: 10 ] بالعمرة ، وبعث بين يديه عينا من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي وقد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعا ، وهم مقاتلوك وصادوك ، عن البيت الحرام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أشيروا علي ، أترون لي أن أميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن جاؤوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ " فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم يا نبي الله ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فروحوا إذا " ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين " فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس : حل حل ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكنها حبسها حابس الفيل " ثم قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها فوثبت به فعدل عنهم ، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، قال : فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ، فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح [ ص: 11 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره " فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول ، قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى ، قال : أو لست بالوالد ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا ، فقال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته ، فقالوا : ائته ، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عند ذلك : أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ، فقال أبو بكر : امصص بظر اللات ، نحن نفر وندعه ؟ فقال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، قال : أما والذي نفسي بيده ، لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى [ ص: 12 ] الله عليه وسلم ، فكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفر ومعه السيف ، فكلما أهوى عروة يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف ، وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قال : هذا المغيرة بن شعبة فقال : أي غدر أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم ، وأخذ أموالهم وجاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء " ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه فقال : والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر ، وكسرى ، والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، وإنه عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائته ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا فلان ، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له " ، فبعثت له ، واستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، قال : فلما رجع إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت [ ص: 13 ] فقال رجل منهم يقال له مكرز بن حفص : دعوني آته ، قالوا : ائته ، فلما أشرف عليهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا مكرز بن حفص ، وهو رجل فاجر " ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو ، فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا الكاتب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله ما يكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " ، ثم قال : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . " ، فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب : محمد بن عبد الله " قال النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به " ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة ، ولكن لك من العام المقبل ، فكتب فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل ، وإن كان على دينك ، إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نقض الكتاب بعد " قال : فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأجزه لي " ، فقال : ما أنا بمجيزه لك ، قال : " بلى فافعل " ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى ، قد أجزناه لك ، فقال أبو جندل : أي معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ [ ص: 14 ] ألا ترون إلى ما قد لقيت ؟ - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - فقال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ألست نبي الله حقا ؟ قال : " بلى " ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى " ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : " إني لرسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري " ، قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : " بلى ، فأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ " قلت : لا ، قال : " فإنك آتيه ، ومطوف به " ، قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى ، قلت : أليس نحن على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول الله ، وليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فإنك آتيه وتطوف به ، فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " ، قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قاله ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد قام ، فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، قالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءت نسوة مؤمنات ، فأنزل الله عز وجل : ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات حتى بلغ بعصم الكوافر ، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع النبي [ ص: 15 ] صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاء أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا حتى إذا بلغا به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه فضربه به حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : " لقد رأى هذا ذعرا " ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي ، وإني لمقتول ، فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ، قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد " فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمع منهم عصابة ، قال : فوالله ما سمعوا بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم إلا أرسل إليهم : فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ، حتى بلغ حمية الجاهلية ، وكانت قريش حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه وبين البيت

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية