الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 569 ] قصة جمل جابر في هذه الغزوة

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد بن إسحاق : حدثني وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك يا جابر ؟ قلت : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا . قال : أنخه . قال : فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك أو : اقطع عصا من شجرة . ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ، ثم قال : اركب . فركبت فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ناقته مواهقة . قال : وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال : قلت : بل أهبه لك . قال : لا ، ولكن بعنيه . قال : قلت : فسمنيه . قال : قد أخذته بدرهم . قال : قلت : لا ، إذا تغبنني يا رسول الله . قال : [ ص: 570 ] فبدرهمين . قال : قلت : لا . قال : فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بلغ الأوقية . قال : فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال : نعم . قلت : فهو لك . قال : قد أخذته . ثم قال : يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قال : قلت : نعم يا رسول الله . قال : أثيبا أم بكرا ؟ قال : قلت : بل ثيبا . قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رءوسهن فتقوم عليهن . قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو قد جئنا صرارا ، أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك ، وسمعت بنا فنفضت نمارقها . قال : فقلت : والله يا رسول الله ، ما لنا من نمارق . قال : إنها ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا . قال : فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت ، فأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا . قال : فحدثت المرأة الحديث ، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فدونك ، فسمع وطاعة . فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلست في المسجد قريبا منه . قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى الجمل ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، هذا جمل جاء به جابر . قال : فأين جابر ؟ فدعيت له . قال : فقال : يا ابن أخي ، خذ برأس جملك ، فهو لك . قال : ودعا بلالا ، فقال : اذهب [ ص: 571 ] بجابر فأعطه أوقية قال : فذهبت معه ، فأعطاني أوقية ، وزادني شيئا يسيرا . قال : فوالله ما زال ينمي عندي ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا . يعني يوم الحرة . وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمري ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بنحوه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال السهيلي : في هذا الحديث إشارة إلى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله أن الله أحيا والده وكلمه ، فقال له : تمن علي . وذلك أنه شهيد ، وقد قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم وزادهم على ذلك في قوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ثم جمع لهم بين العوض والمعوض ، فرد عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم ، فقال : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون والروح للإنسان بمنزلة المطية ، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز قال : فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر جمله وهو مطيته فأعطاه ثمنه ، ثم رده عليه ، وزاده مع ذلك . قال : ففيه تحقيق لما كان أخبره [ ص: 572 ] به ، عن أبيه . وهذا الذي سلكه السهيلي هاهنا إشارة غريبة وتخيل بديع . والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد ترجم الحافظ البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال : باب ما ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة ، وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع . وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من " الأحكام " . والله أعلم . وقد جاء تقييده بهذه الغزوة ، وجاء تقييده بغيرها ، كما سيأتي ، ومستبعد تعداد ذلك . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية