الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
و ( جعلنا ) بمعنى صيرنا ، والمفعول الأول ( جهنم ) والثاني له ; لأنه ينعقد منهما مبتدأ وخبر ، فنقول : جهنم للكافرين كما قال هؤلاء للنار وهؤلاء للجنة و ( يصلاها ) حال من جهنم . وقال أبو البقاء : أو من الضمير الذي في ( له ) . وقال صاحب الغنيان : مفعول ( جعلنا ) الثاني محذوف ، تقديره مصيرا أو جزاء . انتهى . ( مذموما ) إشارة إلى الإهانة . ( مدحورا ) إشارة إلى البعد والطرد من رحمة الله ( ومن أراد الآخرة ) أي : ثواب الآخرة بأن يؤثرها على الدنيا ، ويعقد إرادته بها ( وسعى ) فيما كلف من الأعمال والأقوال ( سعيها ) أي : السعي المعد للنجاة فيها . ( وهو مؤمن ) هو الشرط الأعظم في النجاة فلا تنفع إرادة ولا سعي إلا بحصوله . وفي الحقيقة هو الناشئ عنه إرادة الآخرة والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب ، وعن بعض المتقدمين من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله : إيمان ثابت ، ونية صادقة ، وعمل مصيب ، وتلا هذه الآية ( فأولئك ) إشارة إلى من اتصف بهذه الأوصاف ، وراعى معنى من ؛ فلذلك كان بلفظ الجمع ، والله تعالى يشكرهم على طاعتهم ، وهو تعالى المشكور على ما أعطى من العقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل ، وهو المستحق للشكر حقيقة ، ومعنى شكره تعالى المطيع الثناء عليه وثوابه على طاعته . وانتصب ( كلا ) بـ نمد ، والإمداد المواصلة بالشيء ، والمعنى : كل واحد من الفريقين ( نمد ) كذا قدره الزمخشري ، وأعربوا ( هؤلاء ) بدلا من ( كلا ) ولا يصح أن يكون بدلا من كل على تقدير : كل واحد ; لأنه يكون إذ ذاك بدل كل من بعض ، فينبغي أن يكون التقدير : كل الفريقين فيكون بدل كل من كل على جهة التفصيل . والظاهر أن هذا الإمداد هو في الرزق في الدنيا وهو تأويل الحسن وقتادة ، أي : أن الله يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين ، ومريدي الآخرة المؤمنين ويمد الجميع بالرزق ، وإنما يقع التفاوت في الآخرة ويدل على هذا التأويل ( وما كان عطاء ربك محظورا ) أي : إن رزقه لا يضيق عن مؤمن ولا كافر .

وعن ابن عباس أن معنى ( من عطاء ربك ) من الطاعات لمريد الآخرة والمعاصي لمريد العاجلة ، فيكون العطاء عبارة عما قسم الله للعبد من خير أو شر ، وينبو لفظ العطاء على الإمداد بالمعاصي . والظاهر أن ( انظر ) بصرية ; لأن التفاوت في الدنيا مشاهد ( وكيف ) في موضع نصب بعد حذف حرف الجر ; لأن نظر يتعدى به ، فانظر هنا معلقة . ولما كان النظر مفضيا وسببا إلى العلم جاز أن يعلق ، ويجوز أن يكون ( انظر ) من نظر الفكر فلا كلام في تعليقه إذ هو [ ص: 22 ] فعل قلبي . والتفضيل هنا عبارة عن الطاعات المؤدية إلى الجنة ، والمفضل عليهم الكفار كأنه قيل : انظر في تفضيل فريق على فريق ، وعلى التأويل الأول كأنه قيل في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين والكافرين ، والمفضول في قوله : ( أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) محذوف تقديره من درجات الدنيا ومن تفضيل الدنيا .

وروي أن قوما من الأشراف ومن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه ، فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان ، فقال سهيل بن عمرو : وإنما أتينا من قبلنا إنهم دعوا ودعينا - يعني إلى الإسلام - فأسرعوا وأبطأنا ، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر . وقرئ " أكثر " بالثاء المثلثة . وقال ابن عطية : وقوله : ( أكبر درجات ) ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ، ولابد ( أكبر درجات ) من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض ، ورأى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين . وأسند الطبري في ذلك حديثا نصه : إن أنزل أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها وقد أرضى الله الجميع فما يغبط أحد أحدا . والخطاب في ( لا تجعل ) للسامع غير الرسول . وقال الطبري وغيره : الخطاب ل محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد لجميع الخلق . ( فتقعد ) قال الزمخشري : من قولهم : شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، بمعنى صارت . يعني فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من الذل والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له . انتهى . وما ذهب إليه من استعمال ( فتقعد ) بمعنى فتصير لا يجوز عند أصحابنا ، وقعد عندهم بمعنى صار مقصورة على المثل ، وذهب الفراء إلى أنه يطرد جعل قعد بمعنى صار ، وجعل من ذلك قول الراجز :


لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب     من دون أن تلتقي الأركاب
ويقعد الأير له لعاب



وحكى الكسائي : قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها بمعنى صار ، ف الزمخشري أخذ في الآية بقول الفراء ، والقعود هنا عبارة عن المكث أي : فيمكث في الناس ( مذموما مخذولا ) كما تقول لمن سأل عن حال شخص هو قاعد في أسوأ حال ، ومعناه ماكث ومقيم ، وسواء كان قائما أم جالسا ، وقد يراد القعود حقيقة ; لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا متفكرا ، وعبر بغالب حاله وهي القعود . وقيل : معنى ( فتقعد ) فتعجز ، والعرب تقول : ما أقعدك عن المكارم ، والذم هنا لاحق من الله تعالى ، ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه ، ويخصه بالكرامة ، وينسب إليه الألوهية ، ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه ، والخذلان في هذا يكون بإسلام الله ولا يكفل له بنصر ، والمخذول الذي لا ينصره من يحب أن ينصره . وانتصب ( مذموما مخذولا ) على الحال ، وعند الفراء والزمخشري على أنه خبر لتقعد ( كلا ) لمذكرين مثنى معنى اتفاقا مفردا لفظا عند البصريين على وزن فعل كمعي فلامه ألف منقلبة عن واو عند الأكثر ، مثنى لفظا عند الكوفيين ، وتبعهم السهيلي فألفه للتثنية لا أصل ولامه لام محذوفة عند السهيلي ولا نص عن الكوفيين فيها ، ويحتمل أن تكون موضوعة على حرفين على أصل مذهبهم ، ولا تنفك عن الإضافة وإن أضيف إلى مظهر فألفه ثابتة مطلقا في مشهور اللغات ، وكنانة تجعله كمشهور المثنى أو إلى مضمر ، فالمشهور قلب ألفه ياء نصبا وجرا ، والذي يضاف إليه مثنى أو ما في معناه . وجاء التفريق في الشعر مضافا لظاهر ، وحفظ الكوفيون كلاي وكلاك قاما ويستعمل تابعا توكيدا ومبتدأ ومنصوبا ومجرورا ، ويخبر عنه إخبار المفرد فصيحا ، وربما وجب ، وإخبار المثنى قليلا وربما وجب .

التالي السابق


الخدمات العلمية