الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              408 [ 207 ] وعن المغيرة ; قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة في مسير فقال لي : أمعك ماء ؟ قلت : نعم . فنزل عن راحلته ، فمشى حتى توارى في سواد الليل ، ثم جاء ، فأفرغت عليه من الإداوة ، فغسل وجهه ، وعليه جبة من صوف - وفي رواية : شامية ضيقة الكمين - فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها ، حتى أخرجهما من أسفل الجبة . فغسل ذراعيه ، ومسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه ، فقال : دعهما ، فإني أدخلتهما طاهرتين " ومسح عليهما .

                                                                                              رواه أحمد ( 4 \ 251 ) ، والبخاري ( 5799 ) ، ومسلم ( 274 ) ، وأبو داود ( 149 و 150 و 151 ) ، والترمذي ( 97 - 100 ) ، والنسائي ( 1 \ 82 ) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله في حديث المغيرة : " ذات ليلة ") أي : ليلة من الليالي ، وهي منصوبة على الظرفية ، كما تقول : ذات مرة ; أي : مرة من المرات ، ويقال للمذكر : ذا صباح وذا مساء ، كما قال الشاعر :


                                                                                              عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود

                                                                                              وكان هذا المسير في غزوة تبوك ، كما في " الموطأ " . والمسير : السير ، وقد يكون : الطريق الذي يسار فيه . وتوارى : غاب . والإداوة : الإناء من الجلد ، وفي طريق آخر : " مطهرة " ، وفيه حجة للجماعة في جواز صب الماء على المتوضئ . وقد روي عن عمر وابنه كراهة ذلك ، وقد روي عنهما خلاف ذلك . فروي عن عمر : " أن ابن عباس صب على يديه الوضوء . وقال ابن عمر : " لا أبالي ، أعانني رجل على وضوئي وركوعي وسجودي . وهو الصحيح .

                                                                                              وفيه دليل على جواز الاقتصار على فروض الوضوء دون السنن ، إذا [ ص: 530 ] أرهقت إلى ذلك ضرورة . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها ولم يذكرها المغيرة ، والظاهر خلاف ، وقد روى البخاري من حديث عبد الله بن زيد : أنه - عليه الصلاة والسلام - اقتصر على الفروض ، وقد قدمنا قوله للأعرابي : " توضأ كما أمرك الله " ، وفيه دليل على أن يسير التفريق في الطهارة لا يفسدها . قال أبو محمد عبد الوهاب : لا يختلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يفسد الوضوء . واختلف في الكثير المتفاحش ، فروي عن ابن وهب : أنه يفسده في العمد والسهو ، وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي في قول آخر . وعند ابن القاسم : أنه يفسده مع العمد أو التفريط ، ولا يفسده مع السهو .

                                                                                              وقال أبو الفضل عياض : إن مشهور المذهب أن الموالاة سنة ، وهذا هو الصحيح ; بناء على ما تقدم : من أن الفرائض محصورة في الآية ، وليس في الآية ما يدل على الموالاة ، وإنما أخذت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذ لم يرو عنه قط أنه فرق تفريقا متفاحشا .

                                                                                              واختلف في الفرق بين اليسير والكثير ; فقيل : ذلك يرجع إلى الاجتهاد ، وليس فيه حد ، وقيل : جفاف الوضوء هو الكثير . وفيه دليل على أن الصوف لا ينجس بالموت ; لأن الجبة كانت من عمل الشام ، والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك من مجوس وغيرهم ، وأكثر مأكلهم ميتة ، ولم يسأل عن ذلك - صلى الله عليه وسلم - ولا توقف فيه .

                                                                                              وفيه دليل على لباس الضيق والتشمير للأسفار .

                                                                                              و (قوله : " دعهما ، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان ") حمل الجمهور هذه [ ص: 531 ] الطهارة على العرفية ، وهي طهارة الحدث ، وخصوها بالماء ; لأنه الأصل ، والطهارة به هي الغالبة . ورأى أصبغ : أن طهارة التيمم تدخل تحت مطلق قوله : " هما طاهرتان " ، وقيل عنه : إنه بناه على أن التيمم يرفع الحدث .

                                                                                              وذهب داود إلى أن المراد بالطهارة هنا : هي الطهارة من النجس فقط ، فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين ، وسبب الخلاف : الاشتراك في اسم الطهارة .




                                                                                              الخدمات العلمية