الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          وقال الشافعي ، وأبو ثور ، وسائر أصحابه : ترد اليمين في كل شيء ، وفي القصاص في النفس فما دونها ، وفي النكاح ، والطلاق ، والعتاق - فمن ادعت عليه امرأته الطلاق ، وعبده أو أمته العتاق - ومن ادعى على امرأته النكاح أو ادعته عليه ولا شاهد لهما ولا بينة : لزمته اليمين : أنه ما طلق ، ولا أعتق ، ولزمته اليمين : أنه ما أنكحها ، أو لزمتها اليمين كذلك ، فأيهما نكل حلف المدعي - وصح العتق ، والنكاح ، والطلاق ، وكذلك في القصاص .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : أما قول مالك - فظاهر الخطأ لتناقضه ، ولئن كان رد اليمين حقا في موضع ، فإنه لحق في كل موضع يجب فيه اليمين على المنكر ، ولئن كان باطلا في مكان ، فإنه لباطل في كل مكان ، إلا أن يأتي بإيجابه في مكان دون مكان : قرآن أو سنة ، فينفذ ذلك ، ولا سبيل إلى وجود قرآن ولا سنة بذلك أصلا - فبطل قول مالك ، إذ لا يعضده قرآن ولا سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قول صاحب قبله ولا قياس .

                                                                                                                                                                                          فإن قال : إنما روي عن الصحابة في الأموال .

                                                                                                                                                                                          قلنا : باطل ; لأنه روي عن علي جملة ، وروي عن عمر ، والمقداد في الدراهم في الدين ، فمن أين لكم أن تقيسوا على ذلك سائر الأموال ، وسائر الدعاوى من الغصوب ، وغير ذلك ، ولم تقيسوا عليه كل دعوى ، فظهر فساد هذا القول - .

                                                                                                                                                                                          وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وأما قول ابن أبي ليلى في رده اليمين على المتهم ، فباطل ; لأنه تقسيم لم يأت به قرآن ، ولا سنة ، وما جعل الله تعالى في الحكم بالبينة أو اليمين على الكافر ، والكاذب على الله تعالى ، وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام من اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، وعلى المشهورين بالكذب ، والفسق ، إلا الذي جعل من ذلك على أبي بكر الصديق وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأمهات المؤمنين ، وأبي ذر الغفاري ، وخزيمة بن ثابت وسائر المهاجرين ، والأنصار الذين قال الله تعالى فيهم : { أولئك هم الصادقون } وفي هذا إبطال كل رأي ، وكل قياس ، وكل احتياط في الدين ، مما لم يأت به نص لو أنصفوا من أنفسهم . [ ص: 451 ]

                                                                                                                                                                                          وأما قول الشافعي - فإنهم احتجوا بآية الوصية في السفر من قول الله تعالى : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا } .

                                                                                                                                                                                          وذكروا خبر القسامة إذ { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني حارثة في دعواهم دم عبد الله بن سهل على يهود خيبر يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ، قالوا : أمر لم نشهده كيف نحلف ؟ قال : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم } .

                                                                                                                                                                                          وذكروا وجوب اليمين على المدعى عليه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم باليمين مع الشاهد فرد اليمين على الطالب من أجل شاهده ، فكان الشاهد سببا لرد اليمين ، فوجب أن يكون النكول من المطلوب أيضا سببا لرد اليمين ولم يقض له بشهادة واحد حتى يضم إليه يمينه ، فيقوم مقام شاهد آخر ، كذلك لم يجز أن يقضى له بالنكول حتى يضم إلى ذلك يمينه فيكون نكول المطلوب مقام شاهد ، ويمين الطالب مقام شاهد آخر .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : أما آية الوصية في السفر فحجة عليهم لا لهم ، وإن احتجاجهم بها لفضيحة الدهر عليهم لوجوه ثلاثة كافية - : أحدها - أنهم لا يأخذون بها فيما جاءت فيه ، فكيف يستحلون الاحتجاج بآية هم مخالفون لها ؟ والثاني - أنه ليس فيها من تحليف المدعى عليه ، ولا رد اليمين على المدعي كلمة ، لا بنص ولا بدليل ، إنما فيها تحليف الشهود أولا ، وتحليف الشاهد والشاهدين ، بخلاف شهادة الأول ، فكيف سهل عليهم إبطال نص الآية ، وأن يحكموا منها بما ليس فيها عليه ، لا دليل ولا نص .

                                                                                                                                                                                          إن هذه لمصيبة .

                                                                                                                                                                                          ولو احتج بهذه الآية من يرى تحليف المشهود له مع بينته لكان أشبه في التمويه على ما روي عن شريح ، والأوزاعي ، وغيرهما - وقد روي عن محمد بن بشير القاضي بقرطبة أنه أحلف شهودا في تزكيه : بالله إن ما شهدوا به لحق . [ ص: 452 ]

                                                                                                                                                                                          وروي عن ابن وضاح أنه قال : أرى لفساد الناس أن يحلف الحاكم الشهود ، ذكر ذلك خالد بن سعد في كتابه في " أخبار فقهاء قرطبة " فلو احتج أهل هذا المذهب بهذه الآية لكانوا أولى بها ممن احتج في رد اليمين على الطالب ، لا سيما مع ما في نصها من قول الله تعالى : { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } ولكن يبطل هذا أنه قياس ، والقياس كله باطل ، إلا أنه من أقوى قياس في الأرض .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث القسامة فاحتجاجهم به أيضا إحدى فضائحهم ; لأن المالكيين ، والشافعيين مخالفون لما فيه - : فأما المالكيون : فخالفوه جملة .

                                                                                                                                                                                          وأما الشافعيون : فخالفوا ما فيه من إيجاب القود ، فكيف يستحلون الاحتجاج بحديث قد هان عليهم خلافه فيما فيه وأرادوا من ذلك تثبيت الباطل الذي ليس في الحديث منه أثر أصلا .

                                                                                                                                                                                          وإنما في هذا الحديث تحليف المدعين أولا خمسين يمينا - بخلاف جميع الدعاوى - ثم رد اليمين على المدعى عليهم - بخلاف قولهم - فمن أين رأوا أن يقيسوا عليه ضده من تحليف المدعى عليه أولا .

                                                                                                                                                                                          فإن نكل حلف المدعي ولم يقيسوا عليه في تبدية المدعي في سائر الدعاوى .

                                                                                                                                                                                          وأن يجعلوا الأيمان في كل دعوى خمسين يمينا ، فهل في التخليط ، وخلاف السنن ، وعكس القياس وضعف النظر : أكثر من هذا ؟

                                                                                                                                                                                          وأما خبر اليمين مع الشاهد : فحق ، ولا حجة لهم فيه ; لأن قولهم : إن النكول يقوم مقام الشاهد : باطل ، لم يأت به قط قرآن ، ولا سنة ، ولا معقول ، وقد ينكل المرء عن اليمين تصاونا وخوف الشهرة ، وإلا فمن استجاز أكل المال الحرام بالباطل فلا ينكر منه أن يحلف كاذبا .

                                                                                                                                                                                          وإنما البينة على المدعي ، فلم يجب بعد على المنكر يمين ، فلما أتى المدعي بشاهد واحد : كان بعد حكم طلبه البينة ، ولم يجب بعد يمين على المطلوب ، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم للطالب بيمينه ابتداء لا ردا لليمين عليه ، فإن أبى فقد أسقط حكم شاهده ، وإذا أسقط حكم شاهده فلا بينة له ، وإذ لا بينة له : فالآن وجبت اليمين على المطلوب ، لا أن هاهنا رد يمين أصلا - فبطل تعلقهم بالنصوص المذكورة - والحمد لله رب العالمين . [ ص: 453 ] وذكر بعضهم رواية هالكة : رويناها من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن حيوة بن شريح : أن سالم بن غيلان التجيبي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من كانت له طلبة عند أخيه فعليه البينة } والمطلوب أولى باليمين فإن نكل حلف الطالب وأخذ .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا مرسل ولا حجة في مرسل عندنا ولا عند الشافعيين - ثم لو صح لكان حجة على المالكيين ; لأنهم مخالفون لما فيه من عموم رد اليمين في كل طلبة طالب ، ولا خلاف في أن أوله في كل دعوى من دم ، أو نكاح ، أو طلاق ، أو عتاق ، أو غير ذلك ، فتخصيصهم آخره في الأموال باطل وتناقض ، وخلاف للخبر الذي موهوا به ، وهذا قبيح جدا .

                                                                                                                                                                                          وقال مالك في " موطئه في باب اليمين مع الشاهد في كتاب الأقضية " أرأيت رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب : ما ذلك الحق عليه ، فإن حلف بطل ذلك عنه وإن أبى أن يحلف ونكل عن اليمين حلف طالب الحق أن حقه لحق وثبت حقه على صاحبه - فهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ، ولا في بلد من البلدان ، فبأي شيء أخذ هذا ؟ أم في أي كتاب الله وجده ؟ فإذا أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد ، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله تعالى .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وهذا احتجاج ناهيك به عجبا في الغفلة - : أول ذلك قوله : إنه لا خلاف في رد اليمين بين أحد من الناس ، ولا في بلد من البلدان - فلئن كان خفي عليه قضاء أهل العراق بالنكول فإنه لعجب .

                                                                                                                                                                                          ثم قوله : إذا أقر برد اليمين - وإن لم يكن في كتاب الله تعالى فليقر - باليمين على الشاهد - وإن لم يكن في كتاب الله تعالى - فهذا أيضا عجب آخر ; لأن اليمين مع الشاهد ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .

                                                                                                                                                                                          وأما رد اليمين على الطالب إذا نكل المطلوب - فما كان قط في كتاب الله تعالى ، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فبين الأمرين فرق ، كما بين السماء والأرض .

                                                                                                                                                                                          وإذا وجب الأخذ بما جاءت به السنة ، وإن لم يوجب في لفظ آيات القرآن فما [ ص: 454 ] وجب قط من ذلك أن يؤخذ بما لا يوجد في القرآن ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          وأما أبو ثور فإنه قال : إذا نكل المطلوب عن اليمين وأحلف الحاكم الطالب فقد اتفقنا على وجوب القضاء له بتلك الدعوى ما لم يحلف الطالب فلم نتفق على القضاء له بتلك الدعوى فوجب القول بما أجمعنا عليه ، وأن لا يقضى على أحد باختلاف لا نص معه .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : ليس قول أربعة من التابعين ، وروايات ساقطة لا تصح أسانيدها ، ثم بظنون غير صادقة على ستة من الصحابة مختلفين مما يقول : إنه إجماع إلا من لا يدري ما الإجماع .

                                                                                                                                                                                          وليس ما اتفق عليه أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي : حجة على من لا يقلدهم .

                                                                                                                                                                                          قال الله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } فلم يأمر عز وجل برد ما اختلف فيه إلى أحد ممن ذكرنا ، فمن رد إليهم فقد خالف أمر الله تعالى - فسقط هذا القول أيضا - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وأما احتجاجهم : بعمر ، والمقداد ، وعثمان - رضي الله عنهم - فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لو صح ذلك عنهم فكيف وهو لا يصح لأنه من طريق الشعبي والشعبي لم يدرك عثمان ولا المقداد فكيف عمر .

                                                                                                                                                                                          وأما الرواية عن علي فساقطة ; لأنها عن الحسن بن ضميرة عن أبيه - وهو متروك ابن متروك - لا يحل الاحتجاج بروايته - فلم يصح في هذا عن أحد من الصحابة كلمة .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وأما قولنا - : فكما روينا من طريق وكيع نا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : كان بين أبي بن كعب ، وعمر بن الخطاب منازعة وخصومة في حائط فقال : بيني وبينك زيد بن ثابت فأتياه فضربا عليه الباب ، فخرج فقال : يا أمير المؤمنين ألا أرسلت إلي حتى آتيك ؟ فقال له عمر : في بيته يؤتى الحكم ، فأخرج زيد وسادة فألقاها ، فقال له عمر : هذا أول جورك وأبى أن يجلس عليها ، فتكلما فقال زيد لأبي بن كعب : بينتك ؟ وإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين من اليمين فأعفه ؟ فقال عمر : تقضي علي باليمين ولا أحلف ؟ فحلف - .

                                                                                                                                                                                          فهذا زيد لم يذكر رد يمين ولا حكما بنكول ، بل أوجب اليمين على المنكر قطعا [ ص: 455 ] إلا أن يسقطها الطالب ، وهذا عمر ينكر أن يحكم الحاكم باليمين ولا يحلف المنكر - وهو قولنا نصا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي عبيد نا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في رسالة ذكرها : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر - فلم يذكر نكولا ولا رد يمين .

                                                                                                                                                                                          حدثنا حمام بن أحمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا محمد بن إسماعيل الصائغ نا يحيى بن أبي بكر الكرماني نا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس في امرأتين كانتا تحرزان حريزا في بيت ، وفي الحجرة حداث ، فأخرجت إحداهما يدها تشخب دما فقالت : أصابتني هذه ، وأنكرت الأخرى ، قال : فكتب إلي ابن عباس { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ، وقال : لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم } ، ادعها فاقرأ عليها : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية ، قال ابن أبي مليكة فقرأت عليها ، فاعترفت " .

                                                                                                                                                                                          فهذا في غاية الصحة عن ابن عباس ولم يفت إلا بإيجاب اليمين فقط ، وأبطل أن يعطى المدعي بدعواه ولم يستثن في ذلك نكول المطلوب ولا رد اليمين أصلا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي عبيد نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الحكم بن عتيبة قال : لا أرد اليمين .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الكشوري عن الحذافي عن عبد الرزاق نا سفيان الثوري قال : كان ابن أبي ليلى ، والحكم بن عتيبة لا يريان اليمين - يعني لا يريان ردها - على الطالب إذا نكل المطلوب .

                                                                                                                                                                                          وقد ذكرنا قول أبي حنيفة : أن المدعى عليه بالدم يأبى عن اليمين أنه لا يرد اليمين على الطالب ، ولا يقضى عليه بالنكول ، لكن يسجن أبدا حتى يحلف .

                                                                                                                                                                                          وهو قول مالك فيمن ادعت عليه امرأته طلاقا وأمته أو عبده عتاقا وأقاموا شاهدا [ ص: 456 ] واحدا عدلا بذلك أنه يلزمه اليمين ، وأنه لا يقضى عليه بالنكول ، ولا برد اليمين ، لكن يسجن أبدا حتى يحلف - .

                                                                                                                                                                                          وهو قول أبي سليمان ، وأصحابنا : في كل شيء .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فإن قيل : فإنكم رددتم الرواية في رد اليمين بأنها عن الشعبي - ولم يدرك عثمان ، ولا المقداد ، ولا عمر - ثم ذكرتم لأنفسكم رواية حكومة كانت بين عمر ، وأبي .

                                                                                                                                                                                          قلنا : لم نورد شيئا من هذا كله احتجاجا لأنفسنا في تصحيح ما قلناه ، ونعوذ بالله من أن نرى في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة في الدين ، ولكن تكذيبا لمن قد سهل الشيطان له الكذب على جميع الأمة في دعوى الإجماع مجاهرة ، حيث لا يجد إلا روايات كلها هالكة ، بظنون كاذبة ، على ثلاثة من الصحابة قد روي مثلها بخلافها عن ثلاثة آخرين منهم ، فأريناهم لأنفسنا مثلها ، بل أحسن منها عن ثلاثة أيضا منهم أو أربعة ، إلا أن الموافقة لقولنا أصح ; لأنها عن الشعبي في ذكر قضية بين عمر وأبي قضى فيها زيد بن ثابت بينهما والشعبي : قد لقي زيد بن ثابت وصحبه وأخذ عنه كثيرا - فهذه أقرب بلا شك إلى أن تكون مسندة من تلك التي لم يلق الشعبي أحدا ممن ذكر في تلك القصة ولا أدركه بعقله .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : من العجب أن يجوز أهل الجهل والغباوة لأبي حنيفة أن لا يقضي بالنكول ، ولا برد اليمين ، لكن بالأخذ باليمين ولا بد في بعض الدعاوى دون بعض برأيه - ويجوز مثل ذلك لمالك في دعوى الطلاق والعتاق ، ولا يجوز لمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في جميع الدعاوى ، إن هذا لعجب .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فإذ قد بطل القول بالقضاء بالنكول ، والقول برد اليمين على الطالب إذا نكل المطلوب ، لتعري هذين القولين عن دليل من القرآن ، أو من السنة - وبطل أن يصح في أحدهما قول عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، فالواجب أن نأتي بالبرهان على صحة قولنا - .

                                                                                                                                                                                          وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : قد صح ما قد أوردناه آنفا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقضاء باليمين على المدعى عليه ، وأنه { لو أعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم [ ص: 457 ] وأموالهم } ، وما قد أتينا به قبل في المسألة التي قبل هذه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك } .

                                                                                                                                                                                          فصح يقينا أنه لا يجوز أن يعطى المدعي بدعواه دون بينة ، فبطل بهذا أن يعطى شيئا بنكول خصمه أو بيمينه إذا نكل خصمه ; لأنه أعطي بالدعوى .

                                                                                                                                                                                          وصح أن اليمين بحكم الله تعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام على المدعى عليه ، فوجب بذلك أنه لا يعطى المدعي يمينا أصلا إلا حيث جاء النص بأن يعطاها ، وليس ذلك إلا في القسامة في المسلم يوجد مقتولا ، وفي المدعي يقيم شاهدا عدلا فقط ، وكان من أعطى المدعي بنكول خصمه فقط أو بيمينه إذا نكل خصمه قد أخطأ كثيرا ، وذلك أنه أعطاه ما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس له ، وأعطاه بدعواه المجردة عن البينة وأسقط اليمين عمن أوجبها الله تعالى عليه ، ولم يزلها عنه إلا أن يسقطها الذي هي له - وهو الطالب - الذي جعل الله تعالى له البينة فيأخذ أو يمين مطلوبه ، فإذ هي له فله ترك حقه - إن شاء - فظهر صحة قولنا يقينا .

                                                                                                                                                                                          وقال الله تعالى : { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } .

                                                                                                                                                                                          فمن أطلق للمطلوب الامتناع من اليمين ولم يأخذه بها - وقد أوجبها الله تعالى عليه - فقد أعانه على الإثم والعدوان ، وعلى ترك ما افترض الله تعالى عليه إلزامه إياه وأخذه به .

                                                                                                                                                                                          وقد ذكرنا في كلامنا " في الإمامة " قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع } فوجدنا الممتنع مما أوجب الله عز وجل أخذه به من اليمين قد أتى منكرا بيقين ، فوجب تغييره باليد بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتغيير باليد : هو الضرب فيمن لم يمتنع ، أو بالسلاح في المدافع بيده ، الممتنع من أخذه بالحق فوجب ضربه أبدا حتى يحييه الحق من إقراره ، أو يمينه ، أو يقتله الحق ، من تغيير ما أعلن به من المنكر : { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } ومن أطاع الله تعالى فقد أحسن .

                                                                                                                                                                                          وأما السجن : فلا يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له قط سجن - وبالله تعالى التوفيق . [ ص: 458 ] وقد لاح بما ذكرنا أن قولنا ثابت عن ابن عباس كما أوردنا ، ولا يصح عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خلافه - والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية