الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اعتذر زوجي عن خطئه، فهل أسامحه للمحافظة على بيتي وأبنائي؟

السؤال

السلام عليكم.

اكتشفتُ مؤخراً خيانة زوجي لي عبر الهاتف؛ إذ كانت هناك محادثات تحتوي على عبارات حب، وقد استمر يراسلها مدة عام، عندما واجهته، اعترف بخطئه واعتذر ووعدني بألا يعود لذلك، وادعى أنها نزوة فقط لملء الفراغ، طلبتُ الطلاق لكنه رفض.

أنا الآن في دوامة؛ لدي ولدان، وأحاول أن أسامحه حفاظاً عليهما، لكني لا أعرف كيف أتصرف، في المقابل، أنا أحبه وأخاف أن يعود للخيانة مرة أخرى إذا أُتيحت له الفرصة، أنا في دوامة حقيقية.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ أختنا الكريمة في شبكة إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، وبالله التوفيق: قرأت استشارتك، وأحسست بأنك تمرين بوضع مؤلم نفسيًا، وليس ذلك أمرًا اعتياديًا أو عابرًا؛ فالخيانة الزوجية من أي طرف كان – ولو كانت عبر الهاتف – تهزّ الثقة، وتجرح الكرامة، ومن الطبيعي أن تشعري بالصدمة، والغضب، والحيرة، والتردد بين الحب والخوف، فكل هذا ردّ فعل إنساني طبيعي.

سأرد على استشارتك من الجانب الشرعي، والنفسي، والأسري؛ لعل ذلك يسرّي عنك ما تجدينه بإذن الله تعالى.

أولًا: الجانب الشرعي.
ما فعله زوجك خطأ ومحرم شرعًا؛ لأنه أقام علاقة مع امرأة أجنبية لا تحل له، فيها كلام عاطفي ومراسلات طويلة، وهذا يدخل في مقدمات الفتنة التي نهى عنها الشرع.

من فضل الله أنه اعترف بذنبه وخطئه، واعتذر، ووعد ألا يعود، وهذا باب توبة بإذن الله، والله تعالى يقول: "إن الله يحب التوابين"، فإن كان صادق التوبة، فالأصل إعطاؤه فرصة، خاصة مع وجود أولاد، لكن عليك أن تنتبهي؛ فالتوبة ليست كلمات تقال، بل هي مع ذلك أفعال واضحة؛ فالأفعال تصدّق الأقوال أو تكذبها، فراقبي أفعاله بطريقة معتدلة.

ثانيًا: ما الذي تشعرين به الآن؟
أنتِ تعيشين صراعًا بين حبك له، وجرح الخيانة، وخوفك على أبنائك من التشرد وسوء التربية فيما لو حصل انفصال، وقلقك من أن يكرر الخيانة مرة أخرى، وهذا ما يسمى في علم النفس فقدان الأمان العاطفي، وليس فقط خيانة، ومشكلتك الآن ليست "هل أسامح؟" بل هي "هل يمكن أن أستعيد الثقة؟ وكيف؟"

ثالثًا: هل تسامحين أم تطلبين الطلاق؟
لا يوجد جواب واحد صحيح للجميع، ولكن القرار يُبنى على سلوكه بعد الانكشاف، والذي ننصح به أن تعطيه فرصة مع النظر والترقب بتفاؤل؛ إن وجدتِ منه قطع العلاقة نهائيًا، وحذف الأرقام التي كان يتواصل معها، ووجدتِ منه شفافية تامة، ووجدتِ منه ندمًا حقيقيًا، ولا يبرر أفعاله، ويقلل من شأن خطئه، واجتهادًا في إصلاح نفسه، وأصبح يتقرب منك، ويهتم بك، ويحترمك، فهذه علامات طيبة على حسن توبته، أما إذا ظهرت منه أفعال مريبة، وبدأ يبرر بأنها مجرد كلام، ويرفض الشفافية، ويكذب مرة بعد أخرى، ويقلل من مشاعرك، فهذا دليل على عمق المشكلة.

رابعًا: خطوات عملية.

1- لا بد أن تشبعي عواطفه بالكلام الذي فيه حب وعشق؛ فالرجل الذي يُحرم من إشباع غريزته بالحلال يذهب ليتسول ما يريده بالحرام، حتى ولو كان ظاهره الالتزام، ما لم يكن إيمانه قويًا يردعه عن الوقوع في المحرم.

2- ابعثي له الرسائل الغرامية عبر وسائل التواصل، ولا تهملي التجمل له، ولا تتحججي بالأولاد والانشغال بهم.

3- أحسني توديعه واستقباله، وتفنني في إعداد طعامه وتهيئة منزله، واجعلي بيتك تحفة، إذا دخلها لم يرد الخروج منها.

4- ابتعدي عن تفتيش هاتفه؛ فإن ذلك يفتح بابًا عظيمًا من أبواب الشيطان، ووسيلة من وسائل هدم البيوت.

5- لا تتخذي أي قرار وأنتِ في قمة الألم، بل أعطي نفسك وقتًا كافيًا للقرارات الكبيرة؛ والتي تحتاج إلى هدوء النفس وعمق التفكير.

6- لا تكتمي مشاعرك، بل عبّري له أنك مجروحة، وأنك خائفة وتحتاجين الأمان، لكن بدون أن ترفعي صوتك أو تتفوهي بكلمة فيها إهانة له، والقاعدة في هذا الحديث النبوي: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه".

7- راقبي الأفعال لا الكلام؛ فالكلام سهل، ويمكن أن يتكلف فيه الإنسان، لكن التغيير العملي الحقيقي سيظهر لا محالة.

9- إن رأيتِ تغيرًا في حياته نحو الأفضل، فعززيه بالكلمة الطيبة، وتفاعلي معه، فتلك تساعده على الخطوة الثانية، وعليك أن تسامحيه؛ فالتوبة تمحو ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه.

10- احذري في حال المسامحة أن يكون ذلك ظاهريًا، بحيث يبقى الشك في نفسك؛ فذلك سيقلب حياتك إلى جحيم، لأن الشك سيبقى يلاحقك.

يجب أن يكون هدفك معالجة زوجك، وإعانته على الاستقامة، ولا تجعلي هدفك الانتقام أو المراقبة الدائمة، بل تكون المراقبة لفترة محدودة بحسب الحاجة، ثم أوكلي أمره لخالقه، فإن حدثت منه مرة أخرى، فسوف يظهره الله كما ظهر أول مرة.

خامسًا: ماذا عن أولادك؟
فكّري بمستقبل أولادك كثيرًا، فهم من سيكون الضحية في حال حصول افتراق، واحذري أن تتشاجري مع زوجك أمامهم؛ فذلك يؤثر في نفسياتهم، وتبقى تلك البصمة طيلة حياتهم، فالنقاش والجدال يجب أن يكون بعيدًا عنهم، واحذري من أن تبوحي لهم بما حصل من أبيهم، حتى لا تتسببي في كراهية الأبناء لأبيهم.

أخيرًا، أقول لك: أعيني زوجك على تقوية إيمانه من خلال كثرة الأعمال الصالحة، فتشاركا في بعض نوافل الصلاة والصيام، وتلاوة القرآن الكريم، والتذكير ببعض المقاطع المؤثرة.

أكثري من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسلي ربك أن يصلح لك زوجك ويرزقه الاستقامة، وادعي ربك بقلب حاضر، وأبشري بالخير.

أكثري من دعاء ذي النون: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها: (إذًا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك).

أسأل الله تعالى أن يقر عينيك بصلاح زوجك، وأن يرزقه الاستقامة، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً