الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخوف من المواجهة ومن عواقب الأمور: كيف أديره بحيث أعيش مطمئنًا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله عنا كل خير، أنا عندي مشكلتان وأتمنى أن تساعدوني فيهما: أنا أخاف من المواجهة، وأخاف أن أنظر في وجوه الناس في الشارع؛ أخاف أن يتعرض لي أحد، أو يتحدث معي بشيء سيئ، مع أنني أقدر على الدفاع عن نفسي، لكني أخاف وأرتبك ولا أعرف كيف أتصرف، وخاصة إذا كانوا أكثر من شخص.

ومشكلتي الثانية: عندما تحدث مشادة بيني وبين شخص، أو يحدث لي موقف مزعج، لا أتوقف عن التفكير في هذا الموقف الذي حدث لي، وخاصة إذا كان الموقف له علاقة بعواقب الأمور؛ كأن يكون الشخص الذي حدث بيني وبينه سوء فهم أو مشادةK يمكن أن يسبب لي مشكلة في المستقبل.

أتمنى أن تساعدوني، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك -ابننا الكريم- طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويعينك على تجاوز ما تجد، وأن يكتب لك السكينة والطمأنينة، واعلم – بارك الله فيك – أن المرحلة العمرية التي تمر بها الآن مرحلة حساسة بطبيعتها، يمر فيها الفتى بمشاعر متقلبة وأفكار متضاربة، ويكون فيها الإحساس بالذات والآخرين أكثر حدة، ومع التقدم في العمر يزداد النضج، وتستقر هذه المشاعر بإذن الله، لكن الجميل في أمرك أنك انتبهت لما تعانيه مبكرًا، وطلبت المساعدة، وهذا بحد ذاته خطوة كبيرة نحو التحسن والتغيير.

ومن خلال ما ذكرت، يمكن فهم حالتك من زاويتين مترابطتين؛ الأولى تتعلق بالخوف من المواجهة، والنظر للناس، والقلق من التعرض للأذى، وهذا يُشبه ما يُعرف نفسيًا بالقلق الاجتماعي، أو رهبة المواقف الاجتماعية، حيث يميل الشخص لتوقع الخطر أو الإحراج، حتى لو لم يكن هناك دليل واقعي قوي.

أما المشكلة الثانية، وهي كثرة التفكير في المواقف بعد حدوثها والخوف من عواقبها، فهي أقرب إلى "الاجترار الفكري" أو التفكير المرتبط بالقلق المتكرر، حيث يظل العقل يعيد تحليل الموقف، وتخيل سيناريوهات سلبية مستقبلية.

وهاتان المشكلتان غالبًا ترتبطان ببعضهما، فالشخص الذي يتوقع الخطر في المواقف، يميل بعد ذلك إلى إعادة التفكير فيها بشكل مبالغ فيه.

ومن الواضح أيضًا أنك شخص مسالم بطبعك، تميل لتجنب المشاكل، وتحافظ على مشاعر الآخرين، وتسعى لكسب ودّ من حولك، وهذه صفات طيبة، لكن تحتاج إلى تطوير مهارات التعامل مع الناس؛ حتى لا تتحول هذه الصفات إلى قلق زائد أو تردد في المواقف.

ومن المهم أن تدرك أن كثيرًا من الأفكار التي تخاف منها، هي مجرد احتمالات وليست حقائق، فلا تتوقع الخطر ما دام مجرد احتمال، فليس كل من تنظر إليه سيؤذيك، ولا كل خلاف سيؤدي إلى مشكلة.

وكذلك فكرة أن شخصًا قد يؤذيك مستقبلًا؛ بسبب موقف عابر هو افتراض ذهني، ما دمت لم تظلم أحدًا ولم تتعمد إيذاءه، فالأصل أن الأمور تمضي بشكل طبيعي.

وللتحسن والخروج من هذه الحالة؛ عليك باتباع بعض الوسائل العملية المهمة:
حاول أن تبدأ بالتدرج في مواجهة هذه المواقف، فابدأ بالحديث مع أشخاص ترتاح لهم، ولا تُلزم نفسك بالنظر المباشر في العيون إن كان ذلك يربكك، بل اجعل نظرك عامًا نحو الوجه، أو الكتفين، ثم مع الوقت ستجد نفسك أكثر راحة.

وحاول التدرج أيضًا في التحدث مع الآخرين في موضوعات بسيطة وعامة، فهذا يبني ثقتك بنفسك خطوة خطوة.

ومن المفيد أن تراقب المواقف التي تشعر فيها بالارتباك، ثم تحللها بهدوء، وستكتشف أن كثيرًا منها لم يكن يستحق هذا القلق، وهذا يساعدك على تقليل الخوف مستقبلاً.

ويمكنك كذلك تدريب نفسك على إيقاف سيل الأفكار بعد المواقف، بأن تقول لنفسك: انتهى الموقف ولن أعود للتفكير فيه الآن، ثم تنشغل بشيء آخر مفيد.

كما يفيدك ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس العميق عند الشعور بالتوتر، فهي تساعد على تهدئة الجسد والعقل.

ومن الوسائل المهمة أيضًا: تقوية ثقتك بنفسك من خلال ممارسة الرياضة، أو تعلم مهارات جديدة، فذلك ينعكس على طريقة تعاملك مع الآخرين.

لا تتجنب المواقف الاجتماعية تمامًا، بل واجهها بالتدرج؛ لأن التجنب يزيد الخوف مع الوقت.

ومع الوقت، حاول أن تتعلم مهارات التعبير عن رأيك بهدوء واحترام، دون خوف أو تردد، فاختلافك مع الآخرين لا يعني صدامًا أو أذىً، بل هو أمر طبيعي في الحياة.

واعلم أن ما تعانيه شائع حدوثه في مثل هذه المرحلة العمرية لمن هم في مثل عمرك، وهو قابل للتحسن بشكل كبير مع التدريب والصبر، فلا تقلق، بل خذ بالأسباب واستمر في المحاولة، وستجد نفسك – بإذن الله – أكثر قوة وثقة وهدوءًا.

نسأل الله أن يطمئن قلبك، ويقوي عزيمتك، ويصلح بالك، ويوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً