الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بغصة لترك التعليم وغياب الدافعية للتخصص الذي اخترته الآن!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمل في قلبي غُصَّةً وثِقلًا كبيرين، يعودان إلى قراري بترك التعليم منذ عشرين عامًا، والمشكلة ليست في الماضي فحسب، بل في أثره الممتد؛ إذ اقتدى بي إخوتي الأصغر سنًّا آنذاك، وهم اليوم بلا شهادات ولا وظائف مستقرة، وأعيش مرارة الشعور بأنني كنت السبب الرئيس فيما هم عليه، وأجلد ذاتي يوميًّا بفكرة أنني لو كنتُ واصلتُ تعليمي لكانوا قد أكملوا تعليمهم هم أيضًا، مع أن إخوتي الأكبر تركوا التعليم مبكرًا من أجل العمل، إلَّا أن عقلي لا يزال يُصِرُّ على تحميلي وحدي مسؤولية ذلك الخطأ.

ومن جانب آخر، وضعت الدراسة هدفًا مستقبليًّا أريد تحقيقه، بغض النظر عن مدى استفادتي من الشهادة أم لا، وبالرغم من خسارة المال، وأنها ستأخذ مني وقتًا وجهدًا، وتخصم من وقت عملي والتواصل الاجتماعي، إلَّا أنني أصطدم بجدارين:

الجدار الأول هو: طبيعة الجامعة، وموت الشغف المأمول، حيث أدرس بنظام الانتساب أو التعليم غير الحضوري، وأشعر بإحباط رهيب؛ لأن هذه البيئة الجافة لا تلبي شغفي، ولا طموحي الشخصي، ولا حتى طموح أبي وأمي وإخوتي وأخواتي، فأنا شخص يحتاج إلى الروح الأكاديمية التقليدية: من مدرج، ومحاضر مباشر، ونقاش حي، وزملاء، وغياب هذا التفاعل جعلني أشعر أنني أدرس في فراغ؛ ممَّا قتل دافعيتي تمامًا، وأصبحتُ أركز على أن هذه الجامعة غير الأكاديمية عاجزة تمامًا عن تحقيق الشغف والطموح الذي أستحقه، ويتمناه أهلي لي.

أما الجدار الثاني، فهو صعوبة التخصص والنفور التقني، فمجالي الحالي مرتبط بالحاسوب، وهو مجال معقد وممل للغاية بالنسبة لي، وقد انطفأ شغفي بالحواسيب كليًّا، ولم أعد أطيق أو أستمتع بالجلوس الطويل خلف الشاشات، وهو شغف قتلته الهواتف الذكية وعوامل أخرى، كما أن هذا التخصص يستهلك طاقةً ذهنيةً وساعاتٍ طويلةً، وتخصم من رصيد حياتي، دون أي عائد نفسي إيجابي.

وفي المقابل، بدأتُ مؤخرًا أشق طريقي كمبتدئ في مجال التصميم، لكنني أجد نفسي في موقف صعب، فمعرفتي التقنية بالحاسوب ما زالت ضعيفة، ومهاراتي في التصميم والبرمجة محدودة جدًّا، وأجد نفسي مشتتًا بين تخصص جامعي جاف وممل يستهلكني، وبين مجال مهني جديد أحاول الزحف فيه من الصفر دون أساس قوي.

وأضع بين أيديكم هذه التفاصيل المتشابكة، وكلي أمل في تحليلكم العميق، وتوجيهكم الذي يساعدني على الخروج من هذه الدوامة، والتصالح مع الماضي، وإعادة توجيه بوصلتي المستقبلية بشكل صحيح.

وأريد دراسة هذا التخصص؛ لأنه ليست لدي أي رغبة في تخصص آخر، رغم فقدي -كما ذكرتُ- حماسي وحبي له، ورغم أنه سوف يقيد حركتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ كمال حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يُلْهِمَنَا وَإِيَّاكَ الرُّشْدَ وَالسَّدَادَ في القول والعمل.

أخي العزيز، يظهر من سؤالك أنك تعيش حالة من التشتت والعجز عن اتخاذ القرار، ومنشأ ذلك رغبتك في تعويض ما فات، وخوفك من تكرار تجربة الفشل بعد سنوات الانقطاع عن الدراسة، وهذه الحالة سببها تعلقك بقرارات الماضي، وخوفك من قرارات المستقبل، مع ضعف الثقة بالنفس، وعدم قراءة الواقع قراءة صحيحة، فإذا اجتمعت هذه العوامل أورثت الإنسان العجز والتردد، ولذلك قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».

لذلك أخي: أول ما ينبغي أن تدركه أن ما مضى قد انتهى ولن يعود، لكن يمكن تقليل آثاره وإصلاح نتائجه، فما يزال في العمر متسع، وما زلت قادرًا -بفضل الله- على البناء من جديد، فلا تجعل اليأس يقتلك، ولا تستسلم لجلد الذات الذي لازمك سنوات طويلة حتى أفقدك الثقة بنفسك، فالإنسان إذا بقي أسير أخطائه فلن يرى ما بين يديه من فرص جديدة، ولهذا أخي الكريم أنصحك بثلاثة أمور:

• أولًا: توقف عن جلد الذات ولوم النفس على أمر قدَّره الله تعالى، ولم يكن كله باختيارك، فما وقع كان نتيجة ظروف متعددة قد تكون ابتلاءً من الله تعالى لحكمة الله يعلمها، حتى وإن كنت ترى ظاهره الشر، والمؤمن يعلم أن كل قدر وراءه حكمة، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ولذلك فالواجب اليوم هو الصبر والاحتساب، وشكر الله على أنه منحك فرصة لتدارك ما فات وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

• ثانيًا: صحح نيتك في طلب العلم، فإن كان مقصدك مجرد الشهادة أو المكاسب الدنيوية فلن تجد الراحة حتى بعد الوصول إليها، أمَّا إذا جعلت العلم عبادة تتقرب بها إلى الله، ووسيلة لإصلاح نفسك ونفع الناس، فلن يقف في وجهك العمر، فالعلم لا يرتبط بسن معينة، وإنما بصدق الطلب والاستمرار.

• ثالثًا: تذكر أن القليل مع الاستمرار يصبح كثيرًا، ولذلك قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، فلا تستصغر ما تتعلمه اليوم؛ فإن العلم يتراكم، وآثاره تظهر مع الزمن والعمل به وتعليم الآخرين، كما أن استعجالك للنتائج ورغبتك في تعويض سنوات التأخر بسرعة يزيدان من قلقك، بينما سنة الله في بناء الإنسان تقوم على التدرج، والثقة بالنفس تنمو مع كل خطوة يحققها الإنسان.

واعلم أخي الغالي، أن العوائق جزء من طبيعة الحياة، وهي التي تعطي للنجاح قيمته، فلا تجعلها دليلًا على أنك في الطريق الخطأ، بل ربما كانت علامة على أنك تسير في طريق البناء الحقيقي، واستحضر قول النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، فإذا استحضرت هذا المعنى أصبح الصبر عبادة، والمشقة طريقًا للأجر والنجاح.

ولقد أحسنت بجعل الدراسة هدفًا لمستقبلك، واعلم أن ما يُبذل في سبيل العلم من مال أو وقت أو جهد ليس خسارة، وإنما هو استثمار في نفسك، لكن الذي يُضعف عزيمتك هو تكوينك صورة ذهنية سلبية عن الدراسة، حتى أصبحت تراها استنزافًا للوقت والمال والجهد، وغفلت عن ثمارها وآثارها الإيجابية الكثيرة، ولذلك أصبح عقلك يقاومها، فغيّر نظرتك إليها، واجعلها وسيلة لبناء شخصيتك، وتوسيع مداركك، وخدمة دينك ومجتمعك.

أمَّا ما سميته "الجدارين"، فإن وصفهما بهذا الاسم يعكس حجم الإحباط الذي تعيشه، مع أن ما تراه جدارًا قد يكون مجرد عقبة تحتاج إلى حسن إدارة وصبر وذكاء، فالصعوبات سنة من سنن الحياة، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}، وقال الشاعر:
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ *** الْجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ.

ولا شك أن الدراسة الحضورية أفضل من حيث التفاعل والانسجام العلمي، لكنها ليست الخيار الوحيد الممكن اليوم، خاصة في حالتك، فأنت تعيش واقعًا يقتضي اختيار أفضل الممكن، لا انتظار الخيار المثالي، فليس المطلوب أن تحقق الكمال، وإنما أن تستثمر الفرص المتاحة، وتنظر إلى واقعك كما هو، لا كما تتمنى أن يكون؛ لأن التفكير المثالي في ظروف غير مثالية لا يزيد إلا الحيرة، أما الواقعية فتمنحك الطمأنينة والتوازن في القرار.

وأما فقدان الشغف، فهو في الغالب ليس بسبب التخصص نفسه، وإنما بسبب تركيزك على سلبياته دون إيجابياته، مع أن العالم اليوم يتجه بقوة إلى تقنية المعلومات، وعلوم الحاسب، والذكاء الاصطناعي، وهي من أكثر المجالات مستقبلًا وطلبًا، ولإحياء الشغف لا يكفي التفكير الإيجابي، بل لا بد من ممارسة الجوانب التي تميل إليها داخل هذا المجال، كالتصميم، أو صناعة المحتوى، أو تطوير التطبيقات، أو توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة والتعليم والمجتمع، فحينها يصبح التعلم وسيلة لتحقيق ما تحب، لا عبئًا تثقل به نفسك.

وأخيرًا: لا تقارن بين حلم الأمس وواقع اليوم، بل انطلق من واقعك الحالي، واستثمر ما تملك من فرص، واجعل في يقينك أن القليل اليوم يصبح كثيرًا غدًا، وأن الشغف يولد أثناء العمل لا قبله.

واجعل أخي وصية النبي ﷺ شعارًا لحياتك: «اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»، فأكثر من الدعاء، وداوم على ذكر الله وطاعته، فإن الطمأنينة التي يضعها الله في القلب تعين على حسن التفكير وصواب القرار، واستخِر الله قبل الإقدام على أي طريق، ثم انظر في ثمارها القريبة والبعيدة، وما يناسب قدراتك وميولك، فإذا ظهر لك وجه الخير فتوكل على الله، ولا تستسلم لوساوس التردد، ولا تبالغ في التفكير في النتائج، وتضخيم نتائج الفشل إذا حدث، فهذا من أكثر ما يعيق النجاح.

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويرزقك حسن الاختيار.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً