الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أعالج شعور الغيرة و المقارنة مع الآخرين؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً، جميع صديقاتي ومعارفي تقريباً تزوجن من أشخاص يحبونهن ويقدّرونهن ويدلّلونهن، ويعشن الحياة التي كنت أحلم بها دائماً، أنا أحبهن من كل قلبي، وأتمنى لهن السعادة والخير، لكنني -للأسف- لا أستطيع السيطرة على شعور الغيرة الذي ينتابني أحياناً، وأجد نفسي أتساءل: لماذا هنّ وليس أنا؟

أعلم أن لكل إنسان وقته ورزقه، وأؤمن أن نصيبي سيأتي في الوقت الذي كتبه الله لي، لكنني أصبحت -تقريباً- الوحيدة بين من حولي التي لم تتزوج بعد، وهذا جعلني أشعر بالنقص، وكأنني متأخرة عن الجميع.

هذا الشعور يزعجني كثيراً، ليس لأنني لا أفرح للآخرين، بل على العكس، فأنا أكره أن أغار من أحد أو أقارن نفسي بالناس، ولا أريد أن يحمل قلبي أي مشاعر سلبية تجاه من أحب.

لذلك أرجو منكم مساعدتي، كيف أتعامل مع هذه المشاعر؟ وكيف أتخلص من الغيرة والمقارنة، وأعيش بسلام ورضا دون أن أتألم كلما رأيت سعادة الآخرين؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مجهولة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك -أختي- السائلة، وأسكن قلبك الهدوء والسكينة والسعادة، ورزقك الزوج الصالح في الوقت المناسب، ورزقكم الذرية الصالحة.

واعلمي -أختي الكريمة- أن الشارع الحكيم فرّق بين الحسد المذموم، وهو كراهة النعمة على الغير وتمني زوالها عنه، والغبطة (الغيرة المحمودة أو تمني المثل)، وهي تمني الحصول على مثل النعمة دون تمني زوالها عن صاحبها، وما يحدث معكِ هو من باب الغبطة وتمني العفاف والسكن، وهو أصلٌ فطريٌّ مشروعٌ.

ومن رحمة الرحمن الرحيم بنا أن ما يقع في الصدر من تساؤلات أو ضيق عارض دون مستند من فعل أو قول هو من حديث النفس المعفوِّ عنه، لقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (متفق عليه)، وجهادكِ لنفسكِ وكرهكِ لهذا الشعور دليلٌ على صحة إيمانكِ وسلامة قصدكِ.

وتذكري أن الزواج رزق مقسوم وقدر مكتوب، لا يسبق فيه أحد أحداً، ولا يستأخر فيه أحد عن أوانه، قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وتأخر الزواج إلى سن الثانية والعشرين ليس تأخراً في ميزان الشرع ولا الواقع، بل هو موافق للوقت الذي كتبه الله لكِ، ولكل إنسان ميقاته المقدر عند الله.

وتذكري أيضاً أن ما يظهر للناس من الوداد بين الزوجين هو جزء فقط من الواقع، بينما البيوت أسرار، ولكل عبد نصيبه من الابتلاء والنعمة، قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

كلما هاجت بكِ هذه المشاعر، ادفعيها فوراً بالتبريك والدعاء لهن بظهر الغيب، لقول النبي ﷺ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ»، والدعاء بظهر الغيب موكل به ملك يقول: «وَلَكِ بِمِثْلٍ»، فتتحول الغيرة إلى سبب في نزول الفضل عليكِ.

واحرصي -أختي الكريمة- على إشغال الوقت بالطاعات، والعلوم النافعة، والتطوير الذاتي، فإن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتكِ بالباطل وبالتفكر فيما عند الآخرين، وغُضّي البصر عن التفاصيل، وأغلقي منافذ الشبهة كمتابعة حكاياتهن في منصات التواصل، فالواجب الشرعي في حقكِ هو الاستمساك بقاعدة: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».

أنتِ في نعمة وعافية، وما تجدينه هو مجرد خواطر تزول بالاستعاذة بالله، والدعاء بالبركة للغير، والرضا بمواقع القدر، أقبلي على شأنكِ، واستعيني بالله، وسليه من فضله، فإن خزائنه ملأى، ووعده صادق: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32].

وفقكِ الله، وبارك في عمركِ، ورزقكِ الزوج الصالح والقلب السليم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً