الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحاول التقريب بين والدي وكل منهما يتهمني بالوقوف مع الآخر، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، والداي بينهما خصام كبير، وشبه قطيعة؛ بسبب زواج والدي من أخرى، فأمي كانت تتصرف بشكل غريب، وأراها مخطئة في كثير من الأحيان، وأبي كان يعاني شبه اكتئاب، أو لا أدري ما به، ودائمًا كنت أظن أن عليّ فعل شيء لإصلاح الأمور؛ لذا كنت أحاول نقل الكلام الطيب، أو الكذب أحيانًا للإصلاح، وإذا ذكر أحدهما الآخر بسوء أرد عنه بلطف قدر المستطاع.

أعلم أنني لست دائمًا على حق، وأحاول دائمًا التعلم، وإصلاح أفعالي، لكني أرى الآن أنني وصلت إلى طريق مسدود، ولا شيء يجدي نفعًا. أمي أصبحت لا تحبني، وتراني في صف أبي، وأبي يراني بما أني فتاة، لذا يعتقد أنني سأقف في صف أمي.

أنا مرهقة جدًا من هذا الصراع، وليس لدي من أشكو له، كما أنني أعاني وسواسًا قهريًا في تفاصيل كثيرة من حياتي، وأحتاج إلى من أسأله ليقرر نيابة عني، أو يساعدني، وأكره إخبارهما؛ لما في ذلك من زيادة الضغط عليهما، وإحزان لهما، وزيادة الضغط عليّ أنا أيضًا لأنني سأترك العلاج، وأنشغل بطمأنتهما.

أعتذر عن الإزعاج حقًا، لكني لا أستطيع التواصل مع طبيب نفسي في الواقع، ولا أملك شخصًا أخبره، وأخاف أن أشكو لمن حولي فيكون ذلك اعتراضًا على قضاء الله، أو غيبة، أو غيره.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أختي الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:

لقد قرأت استشارتك، وأدركت مقدار ما تحملتِه من الضغط النفسي؛ فقد وجدتِ نفسك بين والديك تحاولين الإصلاح، وتنقلين الكلام الطيب، وتدافعين عن كل واحد منهما أمام الآخر، حتى شعرتِ أنك مسؤولة عن إنهاء خصومتهما، ثم اجتمع مع ذلك ما تعانينه من الوسواس، فأصبحتِ مرهقة، وتبحثين عمن يقرر عنك، ويطمئنك.

أختنا الكريمة: كتب الله لك الأجر والثواب على ما تبذلينه للإصلاح بين والديك، وهذا يُعَدُّ من البر بهما، رغم أنك لستِ مسؤولة عن إصلاح الحياة الزوجية لوالديك، ولا عن نتيجة ما تبذلينه من مساعٍ للإصلاح.

قد لا تثمر جهودك في الإصلاح، ومع هذا ابذلي استطاعتك واحتسبي الأجر عند الله، يقول الله جل ثناؤه: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله﴾، لكنك غير مطالبة بما يتجاوز قدرتك، قال سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.

والإصلاح عند اشتداد الشقاق بين الزوجين له وسائله وأهله، قال تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا﴾، ولذلك لا تجعلي نفسك الوسيط الدائم بينهما.

كوني بارة بأمك وأبيك معًا، ولا تدخلي في خصومتهما؛ فإذا تحدث أحدهما عن الآخر بما يكره، فلا تنقلي الكلام، ولا تدخلي في جدال وتحقيق طويل، ولا تشعري أنك مطالبة بإثبات انحيازك لأحدهما، ويمكنك أن تقولي بهدوء: «أنا أحبكما وأبركما معًا، ولا أريد أن أكون طرفًا بينكما، وأسأل الله أن يصلح ما بينكما»، وإذا كان الكلام يتضمن غيبة أو ظلمًا، فأنكري ذلك بلطف، وحاولي توجيه مسار الحديث.

بر الوالدين لا يعني الموافقة على كل ما يصدر منهما؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، فلك أن تخالفي الخطأ بأدب، مع بقاء البر والإحسان.

وأما زواج والدك من أخرى: فلا تحملي نفسك مسؤولية آثاره، أو إصلاح ما ترتب عليه من خلاف؛ فهذه مسألة زوجية تخص والديك، وأنت مطالبة ببرهما وحسن معاملتهما، لا بحل جميع مشكلاتهما، كما أننا لا نستطيع من خلال استشارتك الحكم على تفاصيل ما وقع بينهما، أو تحديد المخطئ منهما.

قولك: إن أمك أصبحت تراك في صف أبيك، وإن أباك يراك في صف أمك، فهذا يؤكد حاجتك إلى الخروج من دائرة الاستقطاب؛ فلا تحاولي إرضاء أحدهما بإظهار أنك ضد الآخر؛ بل كوني عادلة معهما، وقولي لكل واحد منهما بوضوح: «أنا ابنتك، وأحبك وأبرك، وفي الوقت نفسه أحب أبي/ أمي، ولا أستطيع أن أكون طرفًا في خلافكما».

الكذب الذي كنت تفعلينه أحيانًا بقصد الإصلاح: احرصي على تركه، واجعلي إصلاحك بالكلام الصادق الطيب، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا»، والمقصود بالكذب هنا أن تقولي لوالدتك إن أباك يمدحها، ويودها، ويرغب في إنهاء الخصام، وتقولين لوالدك نحوه، ثم إن لانت القلوب، جمعتهما، وجعلت كل واحد يسامح الآخر.

لا تدخلي نفسك في نقل الكلام، أو اختلاقه، وإنما قولي لكل منهما ما فيه من خير من غير إفساد أو ظلم.

ينبغي أن تنتبهي بصورة خاصة إلى جانب الوسواس؛ لأن قولك إنك تحتاجين إلى شخص «يقرر نيابة عنك»، وأنك تخشين اتخاذ القرار دون سؤال، قد يدخلك في دائرة طلب الطمأنينة المتكرر؛ فالوسواس قد يجعل الإنسان لا يكتفي بإجابة واحدة، بل يعود بالسؤال نفسه أو بما يشبهه طلبًا ليقين لا يأتيه، ولذلك لا تجعلي كل فكرة تحتاج إلى جواب، ولا كل قرار يحتاج إلى شخص يتخذه عنك، بل تعلّمي تدريجيًا أن تتعاملي مع الشكوك الوسواسية دون استرسال معها.

إذا كان الوسواس مشخصًا لديك أو كانت أعراضه تؤثر في حياتك، فلا تتركي العلاج من نفسك، بل استمري في متابعة المختص الموثوق، واستخدمي العلاج بحسب وصفه؛ فطلب العلاج ليس اعتراضًا على قضاء الله، بل هو من الأخذ بالأسباب المشروعة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء».

لا يلزم أن تخبري والديك بكل تفاصيل ما تعانين منه، أو بكل ما يدور في علاجك، خاصة إذا كان ذلك سيزيد اضطرابك، ويمكنك أن تختاري شخصًا حكيمًا مأمونًا من أسرتك -إن وجد-؛ ليساعدك عند الحاجة.

طلب المشورة للعلاج لا يعني الوقوع في الغيبة، ما دمتِ تذكرين من الوقائع قدر الحاجة، ومن غير تشفٍّ، أو مبالغة، أو قصد إلى الانتقاص.

لا تجعلي خوفك على مشاعر والديك سببًا لإهمال نفسك؛ فهما مسؤولان عن حياتهما وقراراتهما، وأنت مسؤولة عن نفسك؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فاهتمي بعلاجك، وعبادتك، ودراستك، وحياتك، ولا تشعري بالذنب لأنك لم تستطيعي إصلاح ما بينهما.

ضعي لنفسك حدودًا واضحة، ولا تنقلي الكلام بينهما، ولا تدخلي في تفاصيل الخصومة، ولا تحاولي إرضاء أحدهما بأن تكوني في صفه ضد الآخر، ولا تجعلي كل خلاف بينهما مسؤوليتك، وإذا احتاجا إلى إصلاح حقيقي فليتولَّه من هو أقدر منك من أهل الحكمة والثقة.

سؤالك: «هل يمكنني التواصل معكم إذا احتجت شيئًا؟» والجواب: أنه يمكنك إرسال استشارة جديدة عند الحاجة، لكن اجعلي الاستشارة للمسائل التي تحتاج فعلًا إلى توجيه، لا وسيلة لطلب الطمأنينة المتكررة؛ حتى لا يتحول طلب الاستشارة نفسه إلى جزء من دائرة الوسواس.

بخصوص الاستشارات السابقة التي أرسلتِها، ولم يظهر لك تأكيد بوصولها، فلا أستطيع التحقق من حالتها من هنا، ولا أعلم إن كانت إدارة الموقع ترد على هذا الاستفسار.

وختامًا أقول لك: لقد بذلتِ ما تستطيعين، ويجدر بك أن تخففي عن نفسك هذا الحمل، فأحسني إلى أمك، وأحسني إلى أبيك، وكوني عادلة معهما، واسعي في الإصلاح إذا تيسر، ثم اتركي ما لا تستطيعين لله.

أنتِ لستِ مطالبة بأن تنقذي زواج والديك، وإنما أنت مطالبة ببرهما والإحسان إليهما والقيام بما تستطيعين.

أسأل الله تعالى أن يصلح ما بين والديك، ويؤلف بين قلبيهما على الخير، ويشرح صدرك، ويعينك على علاج الوسواس، ويرزقك السكينة والطمأنينة، ويجعلك بارة بأبيك وأمك من غير أن تحملّي نفسك فوق طاقتها.

هذا، وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً