الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد فسخ الخطبة لم أوفق في أي خطبة بعدها، فهل أنا مسحورة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنتُ مخطوبةً منذ سنتين، ولم تكتمل الخطبة، ومن بعدها لم أوفق في أي خطبة، وحتى لو حدد أحد الخُطّاب موعدًا، فإنه لا يأتي، على الرغم من أنني دكتورة وجميلةٌ ومؤدبةٌ -على حد قول من حولي-، وكان لخالي صديقٌ يتعامل مع «جنٍّ مسلم»؛ حيث أخذ اسمي واسم أمي، وأخبر بوجود أعمالٍ وسحرٍ كُتبت لي.

وبعد محاولاتٍ حثيثةٍ من أهلي، ذهبتُ معهم بعد أن أقنعوني بأنه رجلٌ صالحٌ يحافظ على صلاته، ولا يفعل شيئًا سوى قراءة القرآن، وعندما ذهبتُ إليه، سألني أسئلةً تبين أن أسبابها قائمةٌ عندي بالفعل، ثم أعطاني بخورًا لأشمه، فأغمضتُ عينيَّ، وبدأ بقراءة القرآن، وأنا مركزةٌ معه تركيزًا شديدًا في كل آية.

وبمجرد وصوله إلى آية الكرسي، بدأتُ بالبكاء وفقدتُ التحكم في نفسي -مع بقاء عقلي حاضرًا-، ووجدته يتحدث مع ذلك الجني، ويدعو بأدعيةٍ، ويقرأ آياتٍ أخرى، ولما انتهت الجلسة، أكد وجود سحرٍ يتجدد لي، حتى إنه قال لوالدتي: «إذا أردتِ معرفة من صنع السحر، فصلي المغرب، وركعتين سُنَّةً، وركعتين لله، وستظهر لكِ»، وهذا ما حدث بالفعل.

كما أعطاني تعليماتٍ مرتبطةً بالقرآن، كأن أقول أذكارًا قبل النوم، أو أردد آياتٍ معينةً عند عبور حدود الأراضي، ولكن عندما عدتُ، تواصلتُ مع معلمتي، فأخبرتني أنه دجالٌ، وأن ذنبي كبيرٌ، ولا يجوز اتباع كلامه.

وبالفعل، لم أطبق أي شيءٍ ممَّا قاله إطلاقًا، والعلامات التي كانت في جسمي بدأت تقل، إلَّا أن نفسيتي تعبت، فبدأتُ ألجأ إلى الرقية الشرعية، والتزمتُ بالأذكار والقرآن، غير أن العبادة أصبحت صعبةً عليَّ، فأقع وأحاول من جديد.

وهذا الأمر مضى عليه عدة أشهرٍ، وما زلتُ أعاني من التعب النفسي وفقدان الأمل، مع المداومة على المحاولة حتى الآن، وقد أصبحتُ أخاف من كل شيءٍ، وأعيش حالةً من الرعب والاكتئاب معظم الوقت.

لم أجد حلًا، ولا أعرف كيف أتأكد مما إذا كنتُ مصابةً حقًّا أم لا، وكيف أعالج ذلك، إذ لا أريد سلوك طريق الدجل أو معصية الله، وفي الوقت نفسه لا أجد حلًّا حقيقيًّا، ومقاطع الفيديو على الإنترنت زادتني حيرةً وإحباطًا.

لقد تغير حالي كثيرًا، فأنا الطبيبة الجميلة الخلوقة التي كان يتقدم لها عرسان لا حصر لهم، أصبحتُ مكتئبةً، ولا يتقدم لي أحدٌ نهائيًّا، وإن حدث وتحدد موعدٌ، لا يأتي أحدٌ إلى البيت، فضلًا عن أنني أعالج من أمراضٍ مختلفةٍ بين الحين والآخر، وسقط معظم شعري بخصلٍ كاملةٍ.

فما الحل يا ترى؟ وهل هذا الرجل صادقٌ في قوله، ويكون هذا ابتلاءً يتوجب الصبر عليه، أم أنني توهمتُ الأمر فقط؟

مع العلم أن خالتي كانت قد ذهبت إليه بعد أن حُرمت من الإنجاب لسنواتٍ طويلةٍ، وأخبرها بوجود سحرٍ، وطبقت ما قاله، وأصبحت حاملًا بعد شهرٍ، وهذا لا ينفي أن طريقته خاطئةٌ أيضًا، وهو لا يطلب مالًا مقابل ذلك، أتساءل: ما الذي يجب عليَّ فعله في هذا الوضع؟ وجزاكم الله خيرًا مقدمًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إسراء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يطمئن قلبكِ، ويحفظكِ من كل سوءٍ، ويصرف عنكِ الخوف والحيرة، ويرزقكِ الزوج الصالح والحياة الطيبة.

فالذي يظهر من رسالتكِ أن مشكلتكِ لم تعد مجرد تأخرٍ في الزواج، بل أصبحت محاولةً مستمرةً للعثور على جوابٍ لسؤال: «هَلْ أَنَا مَسْحُورَةٌ أَمْ لَا؟».

ومنذ ذهابكِ إلى ذلكَ الرجل دخلت تفاصيل كثيرةٌ في حياتكِ في دائرة هذا السؤال، مثل: تعطل الخطبة، والبكاء عند القرآن، وصعوبة العبادة، وما يحدث في جسدكِ، فضلًا عن قصة خالتكِ ومقاطع الإنترنت، وهنا ينبغي إيقاف هذه الدائرة قبل أن تستولي على حياتكِ؛ إذ إن الطريق إلى ذلكَ يبدأ بتصحيح جملةٍ من الأمور:

• أولًا: ما فعله هذا الرجل ليس طريقةً شرعيةً لمعرفة السحر؛ فقوله إنه يتواصل مع «جنٍّ مسلمٍ»، وأخذه اسمكِ واسم أمكِ، وإخباره بأن هناكَ أعمالًا تتجدد لكِ، كل ذلكَ يقطع بعدم شرعية مسلكه، يضاف إلى ذلك إرشاده أمكِ إلى صلاةٍ معينةٍ حتى يظهر لها من صنع السحر، وتخصيص أعدادٍ وطرقٍ معينةٍ مرتبطةٍ بالأماكن؛ فكل هذه التكلفات تجعل الواجب عليكِ تركه وعدم الرجوع إليه، وكونه يصلي ويقرأ القرآن، ولا يأخذ مالًا، لا يجعل ما يفعله صحيحًا؛ إذ العبرة بموافقة الطريقة للشرع، لا بمظهر صاحبها.

• ثانيًا: لا تعتبري المعلومات التي أخبركِ بها دليلًا على صدقه؛ فمعرفة بعض الأمور الصحيحة عنكِ لا تثبت أنه يعلم سببها، ولا أن ما أخبركِ به عن السحر صحيحٌ، وكذلكَ قصة خالتكِ لا تثبت صحة طريقته؛ فحملها بعد شهرٍ من زيارته واقعةٌ، وذهابها إليه واقعةٌ أخرى، ولا ربط بينهما، وعليه فإن مجرد وقوع إحداهما بعد الأخرى لا يثبت أن الأولى سببت الثانية.

• ثالثًا: بكاؤكِ وفقدانكِ التحكم عند قراءة آية الكرسي لا يثبت وحده وجود سحرٍ أو جنٍّ؛ فالإنسان قد يتأثر بالقرآن لأسبابٍ كثيرةٍ، ولا سيما إذا دخل الجلسة وقد قيل له مسبقًا إنه مسحورٌ، وكان شديد التركيز والترقب لما سيحدث في تلك اللحظة، وبناءً على ذلك، لا تجعلي ما وقع في تلكَ الجلسة شهادةً نهائيةً بأن فيكِ سحرًا.

• رابعًا: لا تحاولي الآن الوصول إلى يقين: «هَلْ عِنْدِي سِحْرٌ أَمْ لَا؟»؛ فالسحر حقٌّ، والعين حقٌّ، والرقية مشروعةٌ، غير أنكِ لا تحتاجين إلى معرفة التشخيص الغيبي حتى تتحصني؛ فاقرئي الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وحافظي على أذكار الصباح والمساء، واقرئي ما تيسر من القرآن، وادعي الله بالعافية، سواءً كان بكِ شيءٌ أم لم يكن، وهذه هي الميزة الكبرى للرقية الشرعية: أنها نافعةٌ بإذن الله، ولا تحتاج إلى شخصٍ يخبركِ باسم من آذاكِ، ولا بنوع «العمل» ومكانه.

• خامسًا: توقفي عن مشاهدة مقاطع تشخيص السحر والمس والعين؛ لأنها فيما يبدو زادت حيرتكِ ولم تمنحكِ يقينًا، فستجدين مقطعًا يخبركِ أن تساقط الشعر علامةٌ، وآخر يجعل تأخر الزواج علامةً، وثالثًا يجعل البكاء عند القرآن علامةً، حتى تصبح تفاصيل حياتكِ كلها أدلةً على أنكِ مسحورةٌ، وهذا بابٌ لا نهاية له؛ فلا تراقبي جسدكِ أثناء القرآن، ولا تختبري نفسكِ بآياتٍ معينةٍ لترَي كيف سيكون رد فعلكِ.

• سادسًا: لا تسمحي لعبارة «تعطيل الزواج» أن تصبح تعريفكِ الجديد لنفسكِ؛ فقد كنتِ مخطوبةً ثم لم تتم الخطبة، وبعدها لم تكتمل محاولاتٌ أخرى، وهذا مؤلمٌ بلا شكٍّ، لكنه لا يثبت أن أحدًا منع عنكِ الزواج بالسحر، فكم من امرأةٍ صالحةٍ جميلةٍ متعلمةٍ تأخر زواجها، ثم جاء رزقها في الوقت الذي قدره الله، وأنتِ مؤمنةٌ وتعلمين قطعا إن أقدار الله نافذةٌ لا يقدر أحدٌ على تعطيلها أو تأجيلها، فضلًا عن منعها؛ {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} فالزواج إذًا هو من جملة الأرزاق التي تجري بأقدار الله وأسباب الحياة، وليس عدد من يتقدمون للمرأة مقياسًا لقيمتها، أو لجمالها، أو لرضا الله عنها.

• سابعًا: لا تجعلي حياتكِ متوقفةً حتى «يفك السحر» ثم تبدئين العيش، بل عودي إلى نفسكِ التي تعرفينها: إلى عملكِ وعلمكِ وأهلكِ وصديقاتكِ الصالحات واهتماماتكِ، كما ينبغي أن تأخذي بالأسباب المشروعة للزواج عن طريق الأهل والمعارف والثقات، وأن تملئي يومكِ بما ينفعكِ، وحين يأتي خاطبٌ لا تدخلي اللقاء وأنتِ تفكرين: هل سيكمل أم سيمنعه السحر؟ بل عاملي كل تجربةٍ باعتبارها تجربةً مستقلةً، فإن تمت فالحمد لله، وإن لم تتم فليست دليلًا جديدًا على شيءٍ.

• ثامنًا: أمَّا عبادتكِ، فلا تنتظري أن تعود إليها الرغبة والقوة أولًا، بل إذا ثقلت عليكِ فابدئي بالفرائض وحافظي عليها، ثم أضيفي من القرآن والذكر ما تستطيعين، قليلًا ثابتًا، ولا تفسري ثقل العبادة بأنه دليلٌ على وجود شيءٍ يمنعكِ؛ فقد تمر النفس بفترات ضعفٍ وفتورٍ، والمطلوب حينها المجاهدة الهادئة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

وتذكري أن أجمل ما فعلته أنكِ حين شككتِ في الطريق توقفتِ ولم تواصلي ما أمركِ به ذلكَ الرجل، ثم رجعتِ إلى القرآن والأذكار؛ فاثبتي على هذا الطريق، ولا تعودي إلى البحث عن شخصٍ يكشف لكِ الغيب، وإذا أردتِ الرقية فارقي نفسكِ، وإن احتجتِ إلى من يرقيكِ فليكن معروفًا بالاستقامة والرقية بالكتاب والسنة وحدهما، من غير استعانةٍ بالجن، ولا ادعاء معرفة من سحركِ، ولا طلاسم، ولا طرقٍ وأعدادٍ مخترعةٍ.

أخرجي من ذهنكِ جملة «لن يتقدم أحد أبدًا»؛ فأنتِ لا تعلمين الغيب، وكل ما تعرفينه فقط أنه لم يتم زواجكِ إلى اليوم، أما غدًا فلا تعلمين ما كتبه الله فيه، ومن ثم فإن بين عبارة «لم أتزوج حتى الآن» وعبارة «لن أتزوج أبدًا» مسافةً كبيرةً صنعها الخوف، لا الواقع.

إذًا عليك أن تُكثري من الدعاء، وأن تخذي بالأسباب، وأن تحافظي على الرقية، ووكلي الأمر لله، ونسأل الله أن يبطل عنكِ كل سحرٍ وعينٍ وحسدٍ إن كان شيءٌ من ذلكَ قد أصابكِ، وأن يحفظكِ من الدجل والوساوس، وأن يعيد إلى قلبكِ أمنه وسكينته، ويقويكِ على عبادته، ويفتح لكِ أبواب الخير، ويرزقكِ زوجًا صالحًا تقر به عينكِ، ويعوضكِ عن أيام الخوف والحيرة طمأنينةً وفرجًا جميلًا، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً