الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تأخر زواجي جعلني أعتقد أنني مصابة بسحر التعطيل، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة جامعية، والحمد لله أتمتع بقدر من الجمال والأخلاق بشهادة كثيرين، لكنني أعتقد أن لديَّ سحرًا لتعطيل الزواج، فعندما يتقدم أي شاب لخطبتي، يمضي مباشرة بعد الزيارة الأولى، ولا يرد أو يتواصل مرة أخرى، وحتى إذا لم يأتِ الخاطب، لا يتم الأمر لأي سبب من الأسباب، وكل شيء مُعطّل.

وأنا أعلم أن هذا سحر؛ لأن هناك أناسًا يكرهوننا كثيرًا، وقد أخبرنا أحدهم بأنهم يؤذوننا بالسحر، وأنا مواظبة على الأذكار، وأستمع إلى الرقية دائمًا، لكن موضوع رفض الخُطّاب لي جعلني أفقد الثقة بنفسي، وأشعر بحزن شديد.

أرجو من حضراتكم الرد.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هدى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظكِ من كل سوء، ويرزقكِ الزوج الصالح، ويصرف عنكِ الحزن والوساوس، ويكتب لكِ الخير حيث كان.

أول ما نريد أن نخفف به عنكِ أن تأخر الزواج، أو مجيء عدد من الخطّاب ثم عدم إتمام الأمر، لا يعني أن فيكِ عيبًا، ولا ينبغي أن تجعلي قبول الرجال أو رفضهم ميزانًا لجمالكِ أو قيمتكِ، فالزواج رزق وتوافق وقبول، وقد تكون الفتاة ذات دين وخلق وجمال، ثم يتأخر زواجها، كما قد تتزوج من هي دونها في بعض هذه الصفات؛ لأن لكل إنسان أجله ورزقه الذي قدّره الله له، ولحكمة يعلمها الله، وما يدريكِ، لعل الله قد ادّخر لكِ خيرًا لم يحن وقته بعد.

ولكي تتجاوزي هذا الأمر، ينبغي أن تعلمي عدة أمور:

أولًا: السحر حق، والعين حق، وقد قال الله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْعَيْنُ حَقٌّ»، ولذلك فمحافظتكِ على الأذكار والرقية أمر حسن، وننصحكِ بالاستمرار عليه، لكن إثبات أن عندكِ «سحر تعطيل زواج» يحتاج إلى أكثر من مجرد عدم اكتمال الخطبة، أو وجود أشخاص يكرهون أسرتكم، وحتى قول شخص إنه يؤذيكم بالسحر لا يجعلنا نجزم بأن كل خاطب ينسحب بسبب السحر، فقد يكون تهديدًا أو كذبًا أو ادعاءً، وقد توجد أسباب أخرى لا تعرفينها.

ثانيًا: لا تجعلي كل خاطب لا يعود دليلًا جديدًا يثبت السحر، لأنكِ ستدخلين في دائرة مؤذية، يأتي خاطب فتقولين: سيذهب بسبب السحر، فإذا ذهب ازددتِ يقينًا، وإذا جاء آخر دخلتِ اللقاء خائفة ومترقبة، ومع الوقت يصبح الزواج كله مرتبطًا عندكِ بالخوف لا بالسكينة.

ثالثًا: عدم رجوع الخاطب بعد الرؤية لا يعني بالضرورة أنه رأى فيكِ نقصًا، فالرؤية الشرعية شُرعت ليحصل القبول من الطرفين، والقبول أمر لا يخضع دائمًا للجمال المجرد، فقد يرى الرجل فتاة جميلة ذات خلق، ثم لا يجد في قلبه ميلًا إلى الزواج بها، كما قد ترين أنتِ رجلًا صالحًا حسن الهيئة، ولا تجدين قبولًا نحوه، وهذا ليس إهانة لأي من الطرفين.

رابعًا: لا تبحثي بعد كل زيارة عن السبب، ولا تسألي: ماذا وجد فيَّ؟ ولماذا رفضني؟ وهل أنا أقل جمالًا مما يقول الناس؟ يكفي أن تقولي: لم يقدّر الله إتمام الأمر، ثم تمضين، قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فقد يكون صرف بعض الرجال عنكِ حمايةً لكِ، وأنتِ لا تعلمين.

خامسًا: استمري في الرقية الشرعية، بقراءة الفاتحة وآية الكرسي وسور الإخلاص والفلق والناس، وأذكار الصباح والمساء والنوم، وما تيسر من سورة البقرة، مع الدعاء، وارقي نفسكِ بنفسكِ، ولا تجعلي حياتكِ سلسلة من الرقاة والبرامج، والبحث عن علامات السحر، وإذا كان هناك سحر بالفعل، فالقرآن والذكر والدعاء من أعظم أسباب دفعه بإذن الله، وإن لم يكن هناك سحر، فقد ربحتِ عبادةً وقربًا وحفظًا من الله.

سادسًا: لا تجعلي الرقية معاملة مشروطة بالزواج، فتقولين: «أرقي نفسي حتى يأتي العريس، فإذا تأخر قلتُ: الرقية لا تنفع»، فأنتِ تتحصنين بالله وتعبدينه، وللزواج قدره ووقته وأسبابه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

سابعًا: خذي بأسباب الزواج أيضًا، ووسّعوا دائرة السؤال عن الأزواج الصالحين عن طريق الأقارب والنساء الثقات والصديقات الصالحات، ولا تنتظروا فقط من يطرق الباب من تلقاء نفسه، وإذا تكرر انسحاب الخطّاب، فيمكن أن تسألي والدتكِ أو امرأة حكيمة تعرفكِ جيدًا، إن كان هناك شيء في طريقة الاستقبال أو الحديث، أو الشروط يحتاج إلى تعديل، لا لأن فيكِ عيبًا، وإنما لأن مراجعة الأسباب جزء من التوكل.

وهناك أمر أخير، فقد تراسلنا فتيات صالحات تقيات، ويقلن إنهن جميلات، وهن في منتصف الأربعينات، ولا يصبن بهذا الجزع، وأنتِ ما زلتِ صغيرة، وما تمرين به من تأخر الزواج وتكرر عدم اكتمال الخطبة ابتلاء يحتاج إلى صبر واحتساب، ولكِ في ما تصبرين عليه وتحفظين فيه نفسكِ أجر بإذن الله، المهم ألا تقولي: «أنا مرفوضة»، وإنما قولي: «لم يأتِ بعدُ الرجل الذي قدّر الله أن يتم معه الأمر»، وبين العبارتين فرق كبير، فالأولى تهدم ثقتكِ بنفسكِ، والثانية تضع الأمر في موضعه الصحيح.

نسأل الله أن يحفظكِ من السحر والعين وكل سوء إن وُجد، ويبطل عنكِ كل أذى، ويثبت قلبكِ على القرآن والأذكار، ويحفظ عليكِ دينكِ وحياءكِ وثقتكِ بنفسكِ، ويرزقكِ زوجًا صالحًا تقر به عينكِ وتقر بكِ عينه، ويجمع بينكما على المودة والرحمة، ويرزقكِ من حيث لا تحتسبين.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً