الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دخلتُ الطب بمجموعٍ مرتفع لكنني أشعر أنني في المكان الخطأ!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أنا شاب طموح جدًا، فوق الوصف، وقد اجتهدتُ في الصف الثالث الإعدادي؛ لأنني كنتُ أرغب في الالتحاق بمدرسة التمريض، باعتبارها أقصر طريق للتعليم، لكن الحمد لله، لم يحالفني الحظ بفارق درجات بسيط، فالتحقت بالثانوية العامة.

في السنة الأولى من الثانوية، كنتُ ألعب ولم أهتم بالمذاكرة كما ينبغي، وبالكاد نجحتُ، وفي السنة الثانية -الحمد لله- اجتهدتُ وكانت درجاتي جيدة، ثم دخلتُ الصف الثالث الثانوي، ويشهد الله أنني لم أكن أفعل شيئًا في حياتي سوى المذاكرة، وكنتُ أَمُرُّ بنكبات وظروف نفسية سيئة، ولم يكن ذلك من أجل الالتحاق بكلية معينة، بل كان هدفي الحصول على مجموع عالٍ فقط.

لكنني كنتُ ضعيفًا في مادة اللغة الإنجليزية، وغششتُ فيها نحو 30 درجة، وعندما ظهرت النتيجة، وجدتُ أن مجموعي يؤهلني للالتحاق بكلية الطب، مع العلم أنها لم تكن هدفي أو حلمي، بل كان هدفي الحصول على مجموع عالٍ فقط.

والآن أنا في كلية الطب، وأعاني من اكتئاب شديد، لدرجة أنني تراودني أفكار انتحارية، وأبكي ليلًا ونهارًا، وتأتيني نوبات ضيق تنفس باستمرار منذ التحاقي بالكلية، بالإضافة إلى أن كليتي بعيدة عن بلدي، وهذه أول مرة أغترب فيها في حياتي، وقد تعبتُ كثيرًا، وأصبحتُ غير قادر على تحمُّل الحياة، وأتمنى الموت دائمًا.

أشعر بأن هذه الكلية ليست مكاني، وأنني لن أنجح فيها، وأنه يجب عليَّ التحويل منها إلى كلية أخرى تكون قريبة من أهلي، ودائمًا أقول لنفسي: لو لم أغش في مادة اللغة الإنجليزية لما التحقت بهذه الكلية أصلًا؛ ولذلك أرى أن الأفضل لي أن أحوّل إلى كلية أخرى.

كما أشعر بأن دراسة الطب طريق طويل جدًا، وأنا لا أحب طول مدة الدراسة، وفي الوقت نفسه، أخاف أن أحوّل إلى كلية أخرى ثم أندم مرة أخرى!

لقد تعبت كثيرًا والله، وأرجو أن يرزقك الله الفتح المبين، وأن تكون سببًا في شفائي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونقدّر ما تمر به من معاناة وضغط نفسي، فمرحلة الثامنة عشرة من العمر مرحلة تتشكل فيها ملامح المستقبل، وقد يصاحبها قلق وحيرة عند مواجهة خيارات لم تكن ضمن الطموحات السابقة.

نقدّر لك طموحك الكبير واجتهادك في الدراسة وسعيك لتحقيق مجموع مرتفع رغم ما مررت به من صعوبات؛ وهذا يدل على قدرتك على بذل الجهد، لكن ليس مطلوبًا منك أن تحقق كل طموحاتك دفعة واحدة، ولا أن تقيس قيمتك بنوع الكلية التي تلتحق بها.

يبدو أنك فوجئت بوجودك في كلية الطب، رغم أن التمريض كان أقرب إلى رغبتك، فضلًا عن طول مدة الدراسة وصعوبتها، وضعفك في اللغة الإنجليزية، والابتعاد عن أهلك لأول مرة؛ وقد تضافرت هذه العوامل لتزيد من معاناتك النفسية، لكنك ما زلت في بداية الطريق، وليس من الضروري أن تحسم مستقبلك وأنت في هذه الحالة من الإنهاك.

الأهم الآن هو سلامتك النفسية؛ فالاكتئاب الشديد، وتكرار الأفكار الانتحارية، والرغبة في الموت أمور تستدعي اهتمامًا عاجلًا، ولا ينبغي أن تواجهها وحدك، فصارح والديك أو شخصًا تثق به بما تشعر به دون إخفاء خطورة حالتك، واطلب منه أن يبقى معك، أو يساعدك على الوصول إلى الرعاية المناسبة، وبما أنك بعيد عن أهلك، فلا تنعزل في السكن، وابتعد عن أي وسيلة قد تستخدمها لإيذاء نفسك، وإذا شعرت أنك قد تقدم على إيذاء نفسك، أو لم تستطع ضمان سلامتك، فلا تبق وحدك، وتواصل مع قسم الطوارئ فورًا.

ومن المهم مراجعة طبيب نفسي في أقرب وقت لتقييم أعراض الاكتئاب والقلق وضيق التنفس، ووضع خطة علاج مناسبة؛ فهذه الأعراض قابلة للتحسن، ولا تعني أنك ضعيف أو عاجز عن النجاح.

أمَّا بخصوص مستقبلك الدراسي، فتعامل معه بهدوء وتدرّج:
• استعن أولًا بأسرتك، والمرشد الأكاديمي؛ لمعرفة خيارات التحويل إلى جامعة قريبة من محل إقامتك وشروطه.
• تحدث مع طبيب حديث التخرج، أو طالب موثوق في الكلية عن طبيعة الدراسة، وسبل التكيف معها، دون أن تجعل تجربة الآخرين حكمًا نهائيًا على تجربتك.
• قارن بين كلية الطب والتمريض -إذا كانت لا تزال ضمن اهتماماتك- من حيث الرغبة والقدرات وطبيعة العمل، ومدة الدراسة.
• تعرّف إلى فرص تحسين لغتك الإنجليزية إن قررت الاستمرار.
• يمكنك الاستفادة من الإرشاد النفسي أو الأكاديمي لمساعدتك على اتخاذ قرار متزن بعد استقرار حالتك، بدلًا من الاستمرار تحت ضغط الخوف، أو التحويل بدافع الهروب من المعاناة وحدها.

وعن شعورك بالذنب بسبب الغش:
• لا تعالجه بجلد الذات، أو اعتقاد أن مستقبلك قد انتهى.
• تب إلى الله، ولا تعد لهذا الفعل.
• واعزم على الصدق مستقبلًا.
• واجعل ما حدث درسًا في تحمل المسؤولية.
• ولا تجعل هذا الخطأ وحده سببًا للحكم على قدرتك على النجاح، بل قيّم إمكاناتك بصدق.
• واستعن بالجهات الأكاديمية لمعرفة الخيارات المتاحة.

وتذكّر أن الاستخارة والاستشارة من أسباب التوفيق، وقول: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ» يدلل على هذا المعنى، فلا تتخذ قرارك منفردًا وأنت في أشد حالاتك ألمًا، بل عليك أن تأخذ بالأسباب، واستعن بالله، واعلم أن التحويل ليس فشلاً إن كان قرارًا مدروسًا، والاستمرار ليس واجبًا لمجرد أنك التحقت بالكلية.

أسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك ما تجد، ويرزقك الطمأنينة والقرار الذي فيه خير دينك ودنياك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً