الهداية شرح بداية المبتدي
( كتاب المضاربة )
المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض ؛ سمي بها [ ص: 446 ] لأن المضارب يستحق الربح بسعيه وعمله ، وهي مشروعة للحاجة إليها ، فإن الناس بين غني بالمال غبي عن التصرف فيه ، وبين مهتد في التصرف صفر اليد عنه ، فمست الحاجة إلى شرع هذا النوع من التصرف لينتظم مصلحة الغبي والذكي والفقير والغني . وبعث النبي صلى الله عليه وسلم والناس يباشرونه فقررهم عليه وتعاملت به الصحابة ، ثم المدفوع إلى المضارب أمانة في يده لأنه قبضه بأمر مالكه لا على وجه البدل والوثيقة ، وهو وكيل فيه لأنه يتصرف فيه بأمر مالكه ، وإذا ربح فهو شريك فيه لتملكه جزءا من المال بعمله ، فإذا فسدت ظهرت الإجارة حتى استوجب العامل أجر مثله ، وإذا خالف كان غاصبا لوجود التعدي منه على مال غيره . [ ص: 447 ] قال ( المضاربة عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين ) ومراده الشركة في الربح وهو يستحق بالمال من أحد الجانبين ( والعمل من الجانب الآخر ) ولا مضاربة بدونها ؛ ألا ترى أن الربح لو شرط كله لرب المال كان بضاعة ، ولو شرط جميعه للمضارب كان قرضا . قال ( ولا تصح إلا بالمال الذي تصح به الشركة ) وقد تقدم بيانه من قبل ، ولو دفع إليه عرضا وقال بعه واعمل مضاربة في ثمنه جاز له لأنه يقبل الإضافة من حيث إنه توكيل وإجارة فلا مانع من الصحة ، وكذا إذا قال له اقبض ما لي على فلان واعمل به مضاربة جاز لما قلنا ، بخلاف ما إذا قال له اعمل بالدين الذي في ذمتك حيث لا تصح المضاربة ، [ ص: 448 ] لأن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح هذا التوكيل على ما مر في البيوع . وعندهما يصح لكن يقع الملك في المشترى للآمر فيصير مضاربة بالعرض .قال ( ومن شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعا لا يستحق أحدهما دراهم مسماة ) من الربح لأن شرط ذلك يقطع الشركة بينهما ولا بد منها كما في عقد الشركة . قال ( فإن شرط زيادة عشرة فله أجر مثله ) لفساده فلعله [ ص: 449 ] لا يربح إلا هذا القدر فتنقطع الشركة في الربح ، وهذا لأنه ابتغى عن منافعه عوضا ولم ينل لفساده ، والربح لرب المال لأنه نماء ملكه ، وهذا هو الحكم في كل موضع لم تصح المضاربة ولا تجاوز بالأجر القدر المشروط عند أبي يوسف خلافا لمحمد كما بينا في الشركة ، ويجب الأجر وإن لم يربح في رواية الأصل لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع أو العمل وقد وجد


