الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
مَثَلُ الشَّهَوَاتِ وَتَرَدُّدُهَا فِي الصُّدُورِ مَثَلُ الشَّهَوَاتِ وَتَرَدُّدِهَا فِي الصَّدْرِ بَيْنَ عَيْنَيِ الْفُؤَادِ مَثَلُ ذِبَّانٍ تَطِيرُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ الذِّبَّانُ حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ الْحُلْوُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَطْعِمَةِ وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَتِ الشَّهَوَاتُ فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ وَحَلَاوَةِ الدُّنْيَا وَلِذَاتِهَا فَلَقِيَتْهُ مُسْتَقِرًّا لَهَا بِتَرَدُّدِهِنَّ فَمَا دَامَ الْحُرُّ كَائِنًا فَذَلِكَ شَأْنُهُنَّ فَإِذَا جَاءَ الْبَرْدُ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَقَاءٌ فَكَذَا صَاحِبُ الشَّهَوَاتِ إِذَا جَاءَتْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ بَرَدَ قَلْبُهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّ نُورَ الرَّحْمَةِ يُبْرِدُ الْأَشْيَاءَ وَيُخْمِدُهَا فَإِنَّ بَرْدَ الرَّحْمَةِ يُطْفِئُ حَرَّ النَّارِ عَنِ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَكَذَا هَا هُنَا مَنْ نَالَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بَرَدَ قَلْبُهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَتْ أَنْوَارٌ عَلَى الْقَلْبِ وَاشْتَعَلَتْ نِيرَانُهَا فِي الْقَلْبِ حَتَّى صَارَ سَعْيُهُ كُلُّهُ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَرَارَةُ الشَّهَوَاتِ مَوْجُودَةً فِي صَدْرِهِ وَكَانَ سَعْيُهُ لَهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الشَّهَوَاتِ وَشَأْنِهَا زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ زِينَةٌ وَحَبٌّ وَشَهْوَةٌ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالشَّهْوَةُ خُلِقَتْ مِنَ النَّارِ وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ فَتِلْكَ زِينَةٌ وَنَعِيمٌ وَأَفْرَاحٌ خُلِقَتْ مِنَ النَّارِ وَالنَّارُ خُلِقَتْ لَهَا فَفِي جَوْفِ كُلِّ نَفْسٍ مَوْضُوعٌ فِيهَا بِقَدْرِهِ وَحَرِيقُهَا مَوْجُودٌ عِنْدَ هَيَجَانِهِ وَلِلْحُبِّ حَرَارَةٌ وَلِلزِّينَةِ فَرَحٌ وَلِلْفَرَحِ حَرَارَةٌ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مِنْ هَذَا الْفَرَحِ تَبَاعَدَتْ عَنْهُ الرَّحْمَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ فَإِذَا تُوقَّى عَنْ هَذِهِ الْأَفْرَاحِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ ذِبَّانٌ كَثِيرَةٌ فَسَدَّ الْكُوَّةَ وَذَبَّ الذِّبَّانَ إِلَى الْبَابِ لِيَخْرُجَ فَسَدَّ الْبَابَ حَتَّى أَظْلَمَ الْبَيْتُ فَذَهَبَتْ قُوَّةُ طَيَرَانِ مَا بَقِيَ فِي الْبَيْتِ فَبَقِيَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ وَرَاحَ مَنْ فِي الْبَيْتِ فَمَنْ لَمْ يَنَلْ تِلْكَ الرَّحْمَةَ الَّتِي تُبَرِّدُ قَلْبَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَتُخْمِدُ نَفْسَهُ فِيهَا فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْعُزْلَةَ وَيَسُدَّ أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ قَائِلٌ مِثْلُ مَاذَا قَالَ مِثْلُ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَسُدَّ بَابَ فُضُولِ الْكَلَامِ حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهُ شَهْوَةُ فُضُولِ الْكَلَامِ وَيَبْرُدَ عَلَى 71 قَلْبِهِ ذَلِكَ 1 - اجْتِنَابُ أَبْوَابِ الْكَلَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ أَبْوَابَ الْكَلَامِ عَلَى كَانُونِهِ مَعَ عِيَالِهِ وَعَلَى بَابِهِ عِنْدَ مَجْمَعِ الْجِيرَانِ فِي الْحَارَةِ وَعِنْدَ مَجَامِعِ الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ فَهَذِهِ كُلُّهَا أَبْوَابُ الْكَلَامِ فَإِذَا عَرَفَهَا تَجَنَّبَهَا فَإِذَا هُوَ قَدْ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ وَحَسَمَ الْبَابَ فَإِذَا تَعَشَّى قَامَ إِلَى مُصَلَّاهُ وَإِذَا رَأَى مَجْمَعَ الْجِيرَانَ سَلَّمَ وَمَرَّ فَكُلُّ مَجَامِعٍ فِيهَا فُضُولٌ مِنَ الْكَلَامِ جَانَبَ عَنْهَا كَمَا فَعَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ رَأَى جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهِمْ لِيَجْلِسَ مَعَهُمْ وَظَنَّ أَنَّهُمْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَدَهُمْ فِي ذِكْرِ الدُّنْيَا فَقَالَ أَنْتُمْ فِي سُوقِ الدُّنْيَا وَحَسِبْتُ أَنَّكُمْ فِي سُوقِ الْآخِرَةِ وَأَعْرَضَ عَنْهُمْ فَمَنْ كَانَ لِسَانُهُ مِنْهُ عَلَى بَالٍ وَرَدَ شَهْوَةَ الْكَلَامِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَدْ نَجَا مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَكَذَا فِي سَائِرِ الْجَوَارِحِ يَسُدُّ عَلَى كُلِّ جَارِحَةٍ أَبْوَابَ فُضُولِهَا حَتَّى تَهْدَأَ جَوَارِحُهُ فَصَارَ كَمَنْ سَدَّ الْكُوَّةَ وَرَدَّ الْبَابَ فَسَكَنَتِ الذِّبَّانُ عَنْهُ فَكُلَّمَا فَتَحَ الْكُوَّةَ وَالْبَابَ عَدَنَ إِلَى الطَّيَرَانِ فَهَذَا دَأْبُهُ إِلَى يَوْمِ الْمَوْتِ فَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْعُزْلَةِ حَسَمُوا أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ بِالْعُزْلَةِ عَنِ الْخَلْقِ حَتَّى هَدَأَتِ الْجَوَارِحُ وَبَقُوا فِي الزَّوَايَا فَمَنْ مَنَّ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ الْعُظْمَى وَبِالْحُرْمَةِ الَّتِي إِذَا وَرَدَ عَلَى الْقَلْبِ نُورُهَا خَمَدَتْ جَمِيعُ حَرَارَةِ الشَّهَوَاتِ وَذَبَلَتْ وَتَهَافَتَتْ بِمَنْزِلَةِ الْبَرْدِ الَّذِي هَجَمَ عَلَى مَكَانِ الذُّبَابِ فَتَهَافَتَتْ فَإِذَا بَرَدَ الْقَلْبُ بِخُمُودِ النَّفْسِ وَخَلَا الصَّدْرُ مِنْ حَرَارَةِ الشَّهَوَاتِ وَصَوَّرَهُنَّ عَلَى عَيْنَيِ الْفُؤَادِ فِي صَدْرِهِ صَارَ الصَّدْرُ كَمَفَازَةٍ جَرْدَاءَ وَطُهْرٍ مِنْ أَدْنَاسِ الشَّهَوَاتِ فَعِنْدَهَا جَلَبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ تِلْكَ الْأَنْوَارَ الْمَلَكُوتِيَّةَ فَاشْتَعَلَ فِي قَلْبِهِ حَرِيقُهَا فَاسْتَنَارَ الصَّدْرُ بِهَا حَتَّى حَمِيَ الصَّدْرُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ التَّنُّورِ الْخَالِي مِنَ النَّارِ بَارِدٌ فَكُلَّمَا أَلْزَقَ بِهِ رَغِيفًا تَهَافَتَ وَلَمْ يَلْزَقْ فَإِذَا سَجَّرَ الْتَزَقَ الْخُبْزُ بِهِ فَكَذَا الْقَلْبُ إِذَا حَمِيَ بِتِلْكَ الْأَنْوَارِ فَكُلَّمَا لَاقَتْهُ مَوْعِظَةٌ الْتَزَقَ الْوَعْظُ بِهِ وَنَجَعَ فِيهِ وَاتَّعَظَ بِهِ وَإِلَّا تَهَافَتَ كَالْخُبْزِ مِنَ التَّنُّورِ الْبَارِدِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية