الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي الثَّالِثِ مِنْ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتِ. وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ جَعَلَهُ قِسْمًا مِنَ التَّعْلِيقِ ثَانِيًا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ -: "وَقَالَ لِي فُلَانٌ، وَزَادَنَا فُلَانٌ" فَوَسَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، الْمُنْفَصِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَقَالَ: مَتَى رَأَيْتَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: "وَقَالَ لِي، وَقَالَ لَنَا" فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِسْنَادٌ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُهُ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ. وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْمُحَدِّثُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ، وَأَحَادِيثُ الْمُذَاكَرَةِ قَلَّمَا يَحْتَجُّونَ بِهَا. قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ وَأَعْرَفُ بِالْبُخَارِيِّ، وَهُوَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ لِي فُلَانٌ" فَهُوَ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ. التقييد والإيضاح 56 - قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي الثَّالِثِ مِنْ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتِ) انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّ مَا قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ: (قَالَ فُلَانٌ) وَسَمَّى بَعْضَ شُيُوخِهِ أَنَّهُ مَحْكُومٌ فِيهِ بِالِاتِّصَالِ كَالْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ. وَيُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ (الْجَنَائِزِ) فِي (بَابِ مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ): "وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثَنَا جُنْدُبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَاهُ وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدُبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ" الْحَدِيثَ، فَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ، وَقَدْ عَلَّقَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي (بَابِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) فَقَالَ: "ثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثَنَا جُنْدُبٌ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ حَجَّاجٍ، وَهَذَا تَدْلِيسٌ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا عَلَّقَهُ عَنْ شُيُوخِهِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَهُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ بِالْمُنَاوَلَةِ، أَوْ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَسَمِعَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَلَمْ يَسْتَحْسِنِ التَّصْرِيحَ بِاتِّصَالِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَجَّاجٍ؛ لِمَا وَقَعَ مِنْ تَحَمُّلِهِ، وَهُوَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُ بِوَاسِطَةِ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُ، فَأَتَى بِهِ فِي مَوْضِعٍ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِزِيَادَةِ الْوَاسِطَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسَمَّى مَا وَقَعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ - عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ - تَدْلِيسًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَمَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ بِحَدِيثِ الْمَعَازِفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْ هِشَامٍ مُنَاوَلَةً، أَوْ فِي الْمُذَاكَرَةِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ - فَقَدْ وَصَلَهُ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ، فَقَالَ الِاسْمَاعِيلِيُّ فِي صَحِيحِهِ: ثَنَا الْحَسَنُ - وَهُوَ ابْنُ سُفْيَانَ الْإِمَامُ - ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ": ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ بِإِسْنَادِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ فِي أَمْثِلَةِ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ قَالَ الْقَعْنَبِيُّ، وَالْقَعْنَبِيُّ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَجَعَلَهُ هُنَاكَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ، وَخَالَفَ ذَلِكَ هُنَا. وَقَدْ يُجَابُ عَنِ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا عَقِبَ الْإِنْكَارِ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَالْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ الثِّقَاتِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي عَلَّقَهُ عَنْهُ، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ" انْتَهَى. فَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْمَعَازِفِ مِنْ بَابِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ جِهَةِ الثِّقَاتِ عَنْ هِشَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَدِيثُ جُنْدُبٍ مِنْ بَابِ مَا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ: "وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ" بِأَنَّ حَدِيثَ جُنْدُبٍ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْجَنَائِزِ صَحِبَهُ خَلَلُ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُنْهَالٍ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ" أَيْ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلَّقَهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ مُنْقَطِعٌ قَطْعًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ فِي الْوَاقِعِ بِأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَعْرُوفَ الِاتِّصَالِ. أَمَّا فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَحَدِيثِ جُنْدُبٍ، أَوْ فِي غَيْرِ كِتَابِهِ كَحَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَزَمَ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ اتِّصَالَهُ وَصِحَّتَهُ فِي نَفْسٍ الْأَمْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ، فَقِيلَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، وَالْبُخَارِيُّ عَادَتُهُ لَا يَنْسُبُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَقْرَانِهِ أَوْ لِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية