الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مقدمة ابن الصلاح السَّادِسُ: كُتُبُ الْمَسَانِيدِ غَيْرُ مُلْتَحِقَةٍ بِالْكُتُبِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ: الصَّحِيحَانِ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ وَسُنَنُ النَّسَائِيُّ وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا وَالرُّكُونِ إِلَى مَا يُورَدُ فِيهَا مُطْلَقًا، كَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُسْنَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَمُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، وَمُسْنَدِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَمُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَشْبَاهِهَا، فَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِيهَا: أَنْ يُخْرِجُوا فِي مُسْنَدِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِهِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِأَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُحْتَجًّا بِهِ؛ فَلِهَذَا تَأَخَّرَتْ مَرْتَبَتُهَا - وَإِنْ جَلَّتْ لِجَلَالَةِ مُؤَلِّفِيهَا - عَنْ مَرْتَبَةِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ عَلَى الْأَبْوَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ" أَوْ: "حَسَنُ الْإِسْنَادِ" دُونَ قَوْلِهِمْ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ" أَوْ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ" لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَا يَصِحُّ؛ لِكَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا، غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْمُعْتَمَدَ مِنْهُمْ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: "إِنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ" وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ عِلَّةً، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ - فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْحُكْمُ لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التقييد والإيضاح 36 - قَوْلُهُ: (السَّادِسُ: كُتُبُ الْمَسَانِيدِ غَيْرُ مُلْتَحِقَةٍ بِالْكُتُبِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ: الصَّحِيحَانِ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ وَسُنَنُ النَّسَائِيُّ وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا، وَالرُّكُونِ إِلَى مَا وَرَدُ فِيهَا مُطْلَقًا، كَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُسْنَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَمُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، وَمُسْنَدِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَمُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَشْبَاهِهَا، فَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِيهَا: أَنْ يُخْرِجُوا فِي مُسْنَدِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِهِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِأَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُحْتَجًّا بِهِ؛ فَلِهَذَا تَأَخَّرَتْ مَرْتَبَتُهَا) إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَفِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ عَدَّهُ مُسْنَدَ الدَّارِمِيِّ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسَانِيدِ مِمَّا أُفْرِدَ فِيهِ حَدِيثُ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَحْدَهُ - وَهْمٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَبْوَابِ، كَالْكُتُبِ الْخَمْسَةِ، وَاشْتُهِرَ تَسْمِيَتُهُ بِالْمُسْنَدِ كَمَا سَمَّى الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ "الْمُسْنَدُ الْجَامِعُ الصَّحِيحُ" وَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْأَبْوَابِ؛ لِكَوْنِ أَحَادِيثِهِ مُسْنَدَةً. إِلَّا أَنَّ مُسْنَدَ الدَّارِمِيِّ كَثِيرُ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ وَالْمُنْقَطِعَةِ وَالْمُعْضَلَةِ وَالْمَقْطُوعَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِحَّةِ بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَانِيدِ بِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ شَرَطَ فِي مُسْنَدِهِ أَنْ لَا يُخَرِّجَ إِلَّا حَدِيثًا صَحِيحًا عِنْدَهُ، قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيِّ. وَبِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يُخْرِجُ أَمْثَلَ مَا وَرَدَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ. وَبِأَنَّ مُسْنَدَ الدَّارِمِيِّ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الصَّحِيحِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ. وَبِأَنَّ مُسْنَدَ الْبَزَّارِ بَيَّنَ فِيهِ الصَّحِيحَ وَغَيْرَهُ. انْتَهَى مَا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَحْمَدَ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ فِي كِتَابِهِ، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ: "انْظُرُوهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْنَدِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ" وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ فِيهِ أَنَّ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. عَلَى أَنَّ ثَمَّ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحِ وَلَيْسَتْ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، مِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ. وَأَمَّا وُجُودُ الضَّعِيفِ فِيهِ فَهُوَ مُحَقَّقٌ، بَلْ فِيهِ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ. وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَفْسُهُ أَحَادِيثَ فِيهِ، فَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: "رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا". وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَارَةُ وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "هَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مُنْكَرٌ" قَالَ: "وَعُمَارَةُ يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ" وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَحَكَى كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِمَّا فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثَ عُمَرَ: "لِيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ". وَحَدِيثَ أَنَسٍ: "مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ". وَحَدِيثَ أَنَسٍ: "عَسْقَلَانُ أَحَدُ الْعَرُوسَيْنِ يُبْعَثُ مِنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ". وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: "مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ" الْحَدِيثَ، وَفِي الْحُكْمِ بِوَضْعِهِ نَظَرٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَمِمَّا فِيهِ أَيْضًا مِنَ الْمَنَاكِيرِ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ: "كُونُوا فِي بَعْثِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ انْزِلُوا مَدِينَةَ مَرْوَ؛ فَإِنَّهُ بَنَاهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ". وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا زِيَادَاتٌ فِيهَا الضَّعِيفُ وَالْمَوْضُوعُ. فَمِنَ الْمَوْضُوعِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَيْضًا، وَقَالَ: إِنَّهُمَا مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ. وَأَمَّا مُسْنَدُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فَفِيهِ الضَّعِيفُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يُخْرِجُ أَمْثَلَ مَا يَجِدُ لِلصَّحَابِيِّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا خَرَّجَهُ صَحِيحًا، بَلْ هُوَ أَمْثَلُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَرَكَهُ. وَمِمَّا فِيهِ مِنَ الضَّعِيفِ: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ نَافِعٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "وَفَدَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى مِنَ الْبَحْرِينِ حَتَّى أَتَى مَدِينَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أُنَاسٌ وَأَنَا غُلَيْمٌ أَمْسِكُ جِمَالَهُمْ، فَسَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَضَعَ الْمُنْذِرُ سِلَاحَهُ، وَلَبِسَ ثِيَابًا، وَمَسَحَ لِحْيَتَهُ بِدُهْنٍ، وَأَنَا مَعَ الْجِمَالِ أَنْظُرُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ. قَالَ: وَمَاتَ أَبِي وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ". قَالَ صَاحِبُ (الْمِيزَانِ): "سُلَيْمَانُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ نَافِعًا عَاشَ إِلَى دَوْلَةِ هِشَامٍ". انْتَهَى. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ، كَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ فَلَا يَخْفِي مَا فِيهِ مِنَ الضَّعِيفِ؛ لِحَالِ رُوَاتِهِ أَوْ لِإِرْسَالِهِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا مُسْنَدُ الْبَزَّارِ فَإِنَّهُ لَا يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنَ الضَّعِيفِ إِلَّا قَلِيلًا، إِلَّا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي تَفَرُّدِ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ بِهِ، وَمُتَابَعَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية