الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَيْضًا، فَالْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تُوجِبُ الْإِقْرَارَ بِنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، فَالْقَدْحُ فِي نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ قَدْحٌ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَمَعَ كَوْنِ قَوْلِهِمْ مُسْتَلْزَمًا لِتَنَاقُضِهُمْ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِبُطْلَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، وَبُطْلَانِ النُّبُوَّاتِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ السَّفْسَطَةِ، فَتَبَيَّنَ بَعْضُ مَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ السَّفْسَطَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَسَادِهِ، وَمِنْ أَنْوَاعِ التَّنَاقُضِ الدَّالَّةِ عَلَى جَهِلِهِمْ وَتَنَاقَضِ مَذَاهِبِهِمْ. وَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ مَنَ الْخَبَرِيَّاتِ، أَوْ مَنَ الْخَبَرِيَّاتِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ نَعْلَمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ. قِيلَ: فَيُقَالُ لَكُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَكُلُّ مَا لَا يَعْلَمُ شَخْصٌ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَنْفِيَهُ إِذَا قَامَ عِنْدَهُ مَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا عَقْلِيًّا!. فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، لَزِمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُكَذِّبَ بِمَا لَمْ يُضْطَرْ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَجْوِيزُ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وَنَفْيُ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْقَوْلُ بِلَا عِلْمِ، وَالْقَطْعُ بِالْبَاطِلِ. وَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ إِنَّمَا نُجَوِّزُ ذَلِكَ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ قَاطِعٌ. قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ كَانَ عَلَى قَوْلِكُمْ غَيْرَ مَعْلُومِ الثُّبُوتِ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَامَ عِنْدَهُ دَلَالَةٌ ظَنِّيَّةٌ تُرَجِّحُ النَّفْيَ أَخْبَرَ بِمُوجِبِهِمَا، وَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ بِاضْطِرَارِ نَقِيضِهَا. الثَّانِي: أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ لَيْسَتْ جِنْسًا مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا شَيْئًا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ النُّظَّارِ تَدَّعِي أَنَّ عِنْدَهَا دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلَى مَا تَقُولُهُ، مَعَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى تَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بَاطِلٌ، وَإِنَّ بُطْلَانَهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، بَلْ قَدْ تَقُولُ: إِنَّهُ قَامَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِ تِلْكَ الطَّائِفَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْعَقْلِيَّاتُ لَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً، وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، وَجَوَّزَ أَصْحَابُهَا فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدُهُمْ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَيْهِ ـ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ أَصْلٌ لِلْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، فَإِذَا جَوَّزَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلِمَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ بَاطِلًا جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ بَاطِلَةً، وَإِذَا بَطَلَتْ بَطَلَتِ النَّظَرِيَّةُ، فَصَارَ قَوْلُهُمْ مُسْتَلْزِمًا لِبُطْلَانِ الْعُلُومِ كُلِّهَا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا يَقُولُونَهُ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِتَنَاقُضِهِمْ، وَلِغَايَةِ السَّفْسَطَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية