الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والتحقيق في ذلك أن المقصود للناهي اجتناب الأجنبية والميتة فقط، والمفسدة التي من أجلها نهي عن العين موجودة فيها فقط، وأما ترك الأخرى فهي من باب اللوازم فهنا لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه، وهنا لا يتم فعل الواجب إلا بفعله.

وهذا نظير من ينهاه الطبيب عن تناول شراب مسموم، واشتبه ذلك القدح بغيره، فعلى المريض اجتناب القدحين، والمفسدة في أحدهما، ولهذا لو أكل الميتة والمذكى لعوقب على أكل الميتة، كما لو أكلها وحدها، ولا يزداد عقابه بأكل المذكى، بخلاف ما إذا أكل ميتتين فإنه يعاقب على أكلهما أكثر من عقاب من أكل إحداهما.

إذا عرف هذا فقوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق [البقرة: 42] ، نهي عنهما، والثاني لازم للأول مقصود بالنهي، فمن لبس الحق بالباطل كتم الحق وهو معاقب على لبسه الحق بالباطل، وعلى كتمانه الحق، فلا يقال: النهي عن جمعهما فقط؛ لأنه لو كان هذا صحيحا لم يكن مجرد كتمان الحق موجبا للذم، ولا مجرد لبس الحق بالباطل موجبا للذم، وليس الأمر كذلك، فإن كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس يستحقون به العقاب باتفاق المسلمين، وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله بالباطل [ ص: 220 ] الذي ابتدعوه، وجمع بينهما بدون إعادة حرف النفي لأن اللبس مستلزم للكتمان، ولم يقتصر على الملزوم؛ لأن اللازم مقصود بالنهي.

فهذا يبين لك بعض ما في القرآن من الحكم والأسرار، وإنما كان اللبس مستلزما للكتمان؛ لأن من لبس الحق بالباطل، كما فعله أهل الكتاب ـ حيث ابتدعوا دينا لم يشرعه الله، فأمروا بما لم يأمر به، ونهوا عما لم ينه عنه، وأخبروا بخلاف ما أخبر به ـ فلا بد له أن يكتم من الحق المنزل ما يناقض بدعته، إذ الحق المنزل الذي فيه خبر بخلاف ما أخبر به إن لم يكتمه لم يتم مقصوده، وكذلك الذي فيه إباحة لما نهي عنه أو إسقاط لما أمر به.

والحق المنزل إما أمر ونهي وإباحة، وإما خبر، فالبدع الخبرية كالبدع المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته والنبيين واليوم الآخر لا بد أن يخبروا فيها بخلاف ما أخبر الله به، والبدع الأمرية، كمعصية الرسول المبعوث إليهم ونحو ذلك، لا بد أن يأمروا فيها بخلاف ما أمر الله به، والكتب المتقدمة تخبر عن الرسول النبي الأمي وتأمر باتباعه.

والمقصود هنا الاعتبار، فإن بني إسرائيل قد ذهبوا أو كفروا، وإنما ذكرت قصصهم عبرة لنا، وكان بعض السلف يقول: إن بني إسرائيل ذهبوا، وإنما يعنى أنتم، ومن الأمثال السائرة: «إياك أعني واسمعي يا جارة». فكان فيما خاطب الله به بني إسرائيل عبرة لنا: أن لا نلبس الحق بالباطل، ونكتم الحق.

التالي السابق


الخدمات العلمية